للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد سبق أن رأينا ما تيسر من مرسالات الشاطبي، وهي أيضًا لا تكاد تعطي شيئًا في هذا الصدد

ومما يؤكد هذه النتيجة أن الشاطبي -في تناوله للمقاصد- لا يذكر أحدًا من شيوخه ولا من علماء عصره. بل قد رأينا بعض مظاهر التوتر والتنافر بينه وبين فقهاء عصره. ولم يكن له انسجام وتفاهم إلا مع أقل القليل منهم، وخاصة مع مفتي فاس وقاضيها، العلامة القباب.

وأكثر من هذا، فقد كان له موقف معروف من "المتأخرين" عمومًا، فكان يتجنب الاعتماد على كتبهم. وقد لاحظ ذلك بعض أصحابه فكتب يسأله عن سببه، فأجابه: "وأما ما ذكرتم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فليس ذلك مني محض رأي، ولكن اعتمدته بحسب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع المتأخرين. وأعني بالمتأخرين: كابن بشير وابن شاس وابن الحاجب١، ومن بعدهم. ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه، أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين, وأتى بعبارة خشنة، ولكنها محض النصيحة. والتساهل في النقل عن كل كتاب جاء، لا يحتمله دين"٢.

وأما الذي نصحه، وقال عبارته الخشنة في حق الفقهاء المتأخرين فهو صديقه وشيخه القباب وقد كان يقول عن ابن بشير وابن شاس: "إنهم أفسدوا الفقه"٣.

ولهذا جعل الشاطبي عمدته: كتب المتقدمين، بل أخذ هو أيضًا يوصي بذلك ويؤكد عليه: "فلذلك صارت كتب المتقدمين، وكلامهم، وسيرهم، أنفع


١ الأول من أهل القرن السادس، والآخران من أهل القرن السابع، والغريب أن لابن بشير كتابًا سماه الأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة، انظر الديباج المذهب، ص٨٧.
٢ نيل الابتهاج، ٥٠.
٣ النيل، ٥٠.

<<  <   >  >>