للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

(فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}) أي: ملكناكم، وقد يأتي في بعض المواضع بمعنى نفعناكم، وهي جمع طيب؛ وهو: الحلال الخالص من الشُّبهة؛ لأن الشرع طيَّبه لآكله وإن لم يستلذه.

وعن الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: أنه المستلذ؛ أي: شرعًا، وإلَّا. . فلذيذ الطعام غير المباح وبالٌ وخسار، فيكون طعامًا ذا غُصَّةٍ وعذابًا، فهو بمعنى ما قبله، خلافًا لمن فهم تغايرًا بينهما (١)، فاعترض الشافعي بأن الخنزير ألذ اللحم على الإطلاق، وهو حرامٌ إجماعًا، ونحو الصَّبِر لا لذة فيه، وهو حلالٌ إجماعًا.

نعم؛ قد يراد بالطيب أخص من الحلال، وهو المستلذ طبعًا، وذلك في نحو قوله تعالى: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} على أنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون تأكيدًا، لكن التأسيس خيرٌ منه.

وقد تشير هذه الآية إلى أن الحرام رزقٌ، وهو ما عليه أهل السنة، خلافًا للمعتزلة، ودليلنا من الكتاب: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، ومن السُّنة: "إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها" (٢) فدل على أن جميع ما أكلته كلُّ نفسٍ رزقُها، حلالًا كان أو حرامًا، وإجماعُ الأمة أن اللَّه تعالى يرزق البهائمَ ما تأكله، والطفلَ ما يشربه من اللبن، وليس بمِلْكٍ لهما، فدلَّ على أن الرزق لا يشترط فيه الملك.

قال أبو هريرة: (ثم) بعد ما سبق ذكره استطرد صلى اللَّه عليه وسلم الكلام حتى (ذكر الرجل يطيل السفر) صفة لـ (الرجل) لأن (أل) فيه جنسية، فيه إشارة إلى أن السفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، وبه يُصرِّح حديث أبي داوود والترمذي وابن ماجه: "ثلاث دعواتٍ مستجاباتٍ لا شك فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر،


(١) أي: بين الحلال والمستلَذ.
(٢) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤)، وابن ماجه (٢١٤٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ٢٦٥) عن سيدنا جابر رضي اللَّه عنه بنحوه.

<<  <   >  >>