للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت تقلبت على صوف، فيئسوا منه وانصرفوا» (١).

ولما يئسوا منه وقرروا إخراجه من سجن القاهرة ليُنفى ويسجن في الاسكندرية، قال خادم الشيخ إبراهيم بن أحمد الغياني (٢) -رحمه الله-: «فوقفت أبكي، فقال الشيخ: «لا تبك، ما بقيت هذه المحنة تُبطئ»، ثم صار يقرأ القرآن، فلما صلوا المغرب بقي يدعو بدعاء الكرب، وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، كأن وجهه شمع يجلوه مثل العروس، وفي ظلمة الليل جاء نائب الوالي فقال: «باسم الله، فبقي المحبوسون يودّعونه ويبكون ويدعون عليهم بدعاء مختلف، أقله أن يسلبهم الله نعمته، وركب على باب الحبس، فقال له إنسان: «يا سيدي هذا مقام الصبر»، فقال له: «بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قُسِّم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها» (٣).

ثامناً: شجاعته:

كان -رحمه الله- شجاعاً ثابت الجأش قوالاً بالحق، آمراً بالمعروف ناهيا عن المنكر. لا يخشى في الله لومة لائم ولا عذل عاذل، وسر ذلك كله ما اجتمع في قلبه من تعظيم الله وتبجيله وإجلاله، وما مُلئ به فؤاده من اليقين بالله والثقة به، وتجد أثر ذلك واضحاً في أقواله وتقريراته ومن ذلك قوله -رحمه الله-: «ولن يخاف الرجل من غير الله إلا لمرض في قلبه» (٤).

وقد كان تعلقه بالله عز وجل كبيرا، وتوكله عليه توكلاً عظيما، فليس لأحد من الخلق عليه منه، ولا فضل ولا نعمة فيخاف من ذهابها، ويخشى من زوالها، وقد


(١) فصل في تكسير الأحجار الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: ١٤٨).
(٢) هو إبراهيمُ بنُ أحمدَ الغيانيُّ، انظر ترجمته حاشية (ص:٣٥٠) من هذه الرسالة.
(٣) فصل في تكسير الأحجار لإبراهيم الغياني ضمن الجامع لسيرته (ص: ١٥٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥٩).

<<  <   >  >>