للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كان من عجيب أمره -رحمه الله- أنه يكتفي في الرد على خصمه بالدليل الذي يحتج به الخصم عليه، فيقلب حجة الخصم حجة عليه، والدليل الذي يحتج به على صحة قوله دليلاً على بطلان قوله، قال ابن القيم -رحمه الله-: «فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم، وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وشفى واشتفى، وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون، وإليه يدعون، وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم، وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة، وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه» (١).

وقال -رحمه الله-:

أبدى فضائحهم وبيّن جهلهم … وأرى تناقضهم بكل زمان

ومن العجائب أنه بسلاحهم … أرداهم تحت الحضيض الداني (٢)

خامساً: زهده وكرم نفسه:

وكما تربى شيخ الإسلام على حب العلم والعمل، نشأ كذلك على صفات كريمة وأخلاق نبيله، كالزهد في الدنيا، والجود والكرم والسخاء، والتواضع ولين الجانب وغير ذلك من خلال الخير والبر، قال سراج الدين أبو حفص البزار: «ولقد اتفق كل من رآه -خصوصاً من أطال ملازمته- أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهوراً؛ بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية -رحمة الله عليه-


(١) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠).
(٢) نونية ابن القيم الكافية الشافية (ص: ٢٣٢).

<<  <   >  >>