للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[عرض المناظرة]

قال شيخ الإسلام: «وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له: ابن هود، وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الاتحادية؛ زهداً ومعرفة ورياضة، وكان من أشد الناس تعظيماً لابن سبعين ومفضلاً له عنده على ابن عربي وغلامه ابن إسحاق (١)، وأكثر الناس من الكبار والصغار كانوا يطيعون أمره، وكان أصحابه الخواص به يعتقدون فيه أنه الله، وأنه أعني ابن هود هو المسيح بن مريم، ويقولون إن أمه كان اسمها مريم وكانت نصرانية، ويعتقدون أن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ينزل فيكم ابن مريم) (٢) هو هذا، وأن روحانية عيسى تنزل عليه.

وقد ناظرني في ذلك من كان أفضل الناس إذ ذاك معرفة بالعلوم الفلسفية وغيرها مع دخوله في الزهد والتصوف، وجرى لهم في ذلك مخاطبات ومناظرات يطول ذكرها جرت بيني وبينهم، حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا، وبينت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة حتى أظهرت (٣) مباهلتهم (٤)، وحلفت لهم أن ما ينتظرونه من هذا لا يكون ولا يتم، وأن الله لا يتم أمر هذا الشيخ؛ فأبر الله تلك الأقسام والحمد لله رب العالمين.

هذا مع تعظيمهم لي بمعرفتي عندهم، وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهال بحقيقتهم وغوامضهم، وإلا فمن كان عند هؤلاء يصلح أن


(١) هو صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي الرومي. وقد سبق ترجمته.
(٢) رواه البخاري، كتاب أخبار الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم (٣٤٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان (١٥٥).
(٣) في المطبوع: (ظهرت) ولعله خطأ.
(٤) الباء والهاء واللام) أصول ثلاثة: أحدها التخلية، والثاني جنس من الدعاء، والثالث قلة في الماء. والمباهلة ترجع إلى الثاني؛ فإن المتباهلين يدعو كل واحد منهما على صاحبه. قال الله تعالى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:٦١]. انظر: مقاييس اللغة (١/ ٣١٠).

<<  <   >  >>