للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

من الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرًا ما يردُّ مُناظِرُ المبتدعِ باطلًا عظيمًا بباطلٍ دونَه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة، وأن لا يُردَّ باطلٌ بباطلٍ دونَه» (١)، وقال رحمه الله مبيناً عدم ثمرة مثل هذا النوع من المناظرة والجدال: «الجدل الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالاً وسؤالاً وانفصالاً؛ فإن من استدلَّ بالباطل فهو مُبطِلٌ، ومن ردَّ الباطلَ بالباطل ولم يُبيِّن أن الدليل باطل فهو مُبطِلٌ، ومن أجابَ عن الباطل بباطلٍ ولم يُبيِّن أن السؤالَ باطل فهو مُبطِل، وكلُّ مبطلٍ فإنه يكون منقطعًا إذا بُيِّن بطلانُه والله أعلم» (٢).

٢٧) مراعاة عوارض الأهلية - كالجهل والتأوّيل ونحوهما -:

من تمام عدل شيخ الإسلام مع مخالفيه مراعاته لأحوالهم من علم وجهل وتأويل، فكان لا يحكم على شخص بعينه بحكم إلا بعد قيام الحجة وتوافر الشروط وانتفاء الموانع قال رحمه الله: «كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة، والذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال … » (٣).

وفي المناظرة الواسطية لما اعترض الخصوم بأن من خالف شيئاً من عقيدة الفرقة الناجية يلزم هلاكه. أجاب عنهم قائلاً: «وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد


(١) جامع المسائل (٨/ ٢٣٧).
(٢) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (١/ ٢١٠).
(٣) الرد على البكري (٢/ ٤٩٤).

<<  <   >  >>