للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

و السنة وجب اتباعه» (١)، قال رحمه الله: «وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاعَ إلا كتاب من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل» (٢).

[٤) الثقة بالله تعالى، وبما رزقه من علم وبصيرة وحق]

وهذه الثقة بارزة في جميع مناظرات الشيخ ومحاوراته مع خصومه، بل وحتى في كتابته ومؤلفاته، ولعظيم ثقته هذه لم يُعرف عنهُ قط التردد في صحة ما دل عليه الكتاب والسنة، أو أجمع عليه سلف الأمة، ولذلك تحدى المخالفين في أحد مناظرته أن يأتوا بدليل واحد يخالف ما قرره من الحق وبينه من الهدى، وأمهلهم على ذلك ثلاث سنين قال رحمه الله: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (٣)، يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك» (٤)، ولم يزل قلبه معلقًا بالله ومحسنًا للظن به، فلما اجتمع عليه الرفاعية تجمع الأحزاب، وتكالبوا تكالب الأعداء، وأرادوا تأليب السلاطين والأمراء، وطالبوا بحضور ابن تيمية، قال حينئذ: «فلما علمت ذلك، أُلقى في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين» (٥)، وقال: «فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى أُلقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون بردا وسلاما» (٦)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم ثقته بالله وتوكله عليه.


(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٢).
(٢) درء التعارض (١/ ٢٢٩).
(٣) رواه البخاري، كتاب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، باب فضائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- (٣٦٥٠)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة (٢٥٣٣) من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
(٤) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٩).
(٥) المناظرة الرفاعية ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٤).
(٦) المصدر السابق (١١/ ٤٥٥).

<<  <   >  >>