للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

هذا الأمر الذي أنكر الجهمية ومتأخرو الأشاعرة وعلى رأسهم الفخر الرازي أن تكون الفطرة دالة عليه، منتصرين لقولهم بظنون وأوهام زعموا أنها براهين وحقائق، ومناقشة الشبهة التي ذكروها في إنكار دلالة الفطرة على علو الباري -جل شأنه- على مخلوقاته، ستكون من وجهين:

[الوجه الأول: بيان شبهتهم في إنكار دلالة الفطرة على مسألة العلو]

ساق شيخ الإسلام هذه المناظرة في كتابه العظيم درء التعارض في معرض رده على الرازي في إنكاره كون علو الخالق -جل شأنه- أمراً مستقراً في الفطر ومعلوماً بالاضطرار، وقد اعترض الرازي على ما يستدل به جمهور الناس على علو الله تعالى من الضرورة الفطرية، التي تقضي بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له، والله منزه عن الأول، فيثبت له العلو على خلقه مع مباينته لهم -جل وعلا-.

وتتلخص الوجوه التي انتقد بها الرازي دلالة الفطرة في وجهين اثنين:

الأول: أن هذا الأمر لو كان بديهياً لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، إذ العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع العظيم.

الثاني: عدم التسليم بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له؛ وذلك أن العقل لا يمنع وجود قسم ثالث: وهو أن يكون هناك موجودان، لا يكون أحدهما سارياً في الآخر، ولا يكون مبايناً له.

وضرب الرازي على ذلك بعض الأمثلة من القضايا الذهنية والكليات المطلقة: كمسمى الإنسان، وكالأعداد، والنفي والإثبات، وغيرها من الأمور التي يمكن أن يتصورها العقل بغير جهة ولا حيز ولا مكان ولا سريان ولا مباينة ولا صورة ولا شكل (١).


(١) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (١/ ١٥٢ - ١٥٦) ودرء التعارض (٦/ ٣٤٠ - ٣٤٤).

<<  <   >  >>