للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ومن شجاعته في قول الحق ولو في وجه السلاطين والأمراء ما حكاه البزار رحمه الله من موقفه مع الملك الناصر بن قلاوون، حيث قال: «أخبرني من لا اتهمه أن الشيخ -رضي الله عنه- حين وُشي به إلى السلطان المعظم الملك الناصر محمد، أحضره بين يديه، قال: فكان من جملة كلامه: إنني أُخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك؟

فلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عالٍ سمعه كثير ممن حضر: (أنا أفعل ذلك، والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين)، فتبسم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة، إنك والله لصادق، وإن الذي وشيء بك إليَّ كاذب، واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه في حقه من الأقاويل الزور والبهتان؛ ممن ظاهر حاله للطغام العدالة وباطنه مشحون بالفسق والجهالة» (١).

تاسعاً: تواضعه:

ومع تلك المكانة الرفيعة التي نالها شيخ الإسلام، والتي دان له بها العلماء والأمراء إلا أنه رحمه الله كان غاية في التواضع ولين الجانب، والبعد عن الفخر والاعتداد بالنفس، قال الحافظ أبو حفص البزار -رحمه الله-: «وأما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك» (٢)، ويقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-: «ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: (ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء)، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:

أنا المكدّي وابن المكدّي (٣) … وهكذا كان أبي وجدّي


(١) الأعلام العلية (ص: ٧٣).
(٢) المصدر السابق (ص: ٤٩).
(٣) قال في لسان العرب (١٥/ ٢١٦): «كدت الأرض … إذا أبطأ نباتها … والكادي: البطيء الخير من الماء … وأكدى الرجل: قل خيره، وقيل: المكدي من الرجال الذي لا يثوب له مال ولا ينمي».

<<  <   >  >>