للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بالعور فقط؟

وقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة وبين صحة الحديث وثبوته، من وجوه عدة (١)، ثم شرع -رحمه الله- في ذكر هذه المناظرة التي حدثت له مع صنف آخر ممن لم ينكر الحديث وإنما فهمه على غير معناه ووجهه الصحيح؛ بل جعله دليلا على جواز اتحاد الله بابن هود -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.

ويلاحظ القارئ تفاوت مسلك الفريقين مع الحديث وتناقضه، فالفريق الأول ينكر الحديث ويجحده، والفريق الآخر جعل الحديث مثبتا للاتحاد والحلول.

وقد مهد شيخ الإسلام قبل ذكر هذه المناظرة بذكر نبذة عن شخصية هذا الرجل الذي اغتر به الكثير ألا وهو ابن هود (٢)، فذكر أنه كان شيخاً مشهوراً بدمشق، وكان من أعظم الاتحادية زهداً ومعرفة ورياضة، وكان معظماً لابن سبعين ومفضلاً له على ابن عربي، وقد بلغ الحال ببعض مريديه إلى أن ادعوا أنه هو المسيح عيسى ابن مريم، بل وادعو أنه هو الله -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- (٣).


(١) انظر: بغية المرتاد (ص:٥١٤ - ٥١٩)، وسيتم ذكر أهم الأوجه أثناء دراسة المناظرة.
(٢) ابن هود: هو أبو علي بدر الدين حسن بن علي بن يوسف بن هود المرسي المغربي الأندلسي الصوفي الاتحادي الضال، حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وكان لا يفرق بين الملل والنحل، ويجيز التدين بأي دين، وربما أقام اليوم واليومين شاخص العينين لا يفوه بحرف، وصحِب ابن سبعين واشتغل بالفلسفة والطبّ وتُرَّهات الاتّحادية، وزُهْديّات الصوفية، وخلط هذا بهذا، وكان غارقاً في الفكر، مواصل الأحزان، يلبس نوعاً من الثياب مما لم يعهد لبس مثله، وحُمِلَ مرة إلى والي البلد وهو سكران أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن وسرحه، وقيل: سقاه اليهود خبثاً منهم ليغضوا منه بذلك، ومن شعره:
علم قومي بي جهل … إن شأني لأجل
أنا عبد أنا رب … أن عز أنا ذل
أنا دنيا أنا أخرى … أنا بعض أنا كل
توفي سنة (٦٩٩ هـ). انظر: السير (٢٣/ ٢٢)، وفوات الوفيات (١/ ٣٤٥)، وشذرات الذهب (٥/ ٤٤٧)، وأعيان العصر (٢/ ٢٠٠ - ٢٠٥)، والوافي بالوفيات (١٢/ ١٥٦).
(٣) انظر: بغية المرتاد (ص:٥١٤ - ٥٢٠).

<<  <   >  >>