للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يقول أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) - رحمه الله- في "التحديد":

الترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط، والتحقيق لرياضة الألسن وترقيق الألفاظ الغليظة وإقامة القراءة وإعطاء كل حرف حقه. (١)

ففي هذه المراتب كلها يقرأ القارئ بتؤدة واطمئنان، مسرعًا كان، أو متوسطًا في سرعته في التلاوة، أو كان يقرأ بين ذلك، وهذا يعتمد على المقام الذي يقرأ فيه (٢)، كما يعتمد على مهارة القارئ ورياضة لسانه وكثرة دربته وتمرسه مع القراءة، وجميع تلك المراتب يجب أن يعتني فيها القارئ بأحكام التجويد.

فمراتب القراءة إذًا تعود في هذه المسألة حسب المصلحة الشرعية لما يتلوه القارئ.

وفي نحو ذلك يقول ابن الجزري- رحمه الله- في "النشر ":

لا أعلم سببًا لبلوغ نهايةِ الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد - مِثل رياضة الألسُن، والتكرار على اللفظ المتلقِّي من فم المحسن. (٣)

وأما مساواة وضبط مقادير المدود، والغنن، ومرعاة مراتب التّفخيم والتّرقيق الخ، فإنه أمرٌ لابد فيه من التلقي والضبط والعرض بالمشافهة على أهل الإتقان من أئمة الإقراء، مع وجوب العناية بهذا الجانب لأنه مع مكانته وقدره، فهو كذلك من حلية التلاوة، ومع المشافهة والتلقي لابد من الدربة والمران والرياضة حتى يصبح هذا الجانب سجية في تلاوة القارئ.

[المطلب الخامس: عناية القارئ بالوقف والابتداء]

إن علم الوقف والابتداء من أجلِّ علوم القرآن المتعلقة بإيضاح وجوه معاني القرآن، وهو من أهم العلوم التي يستعان بها على فهم مراد الله من كلامه سبحانه، ولا شك في أن اعتماد علماء الوقف والابتداء في وضع تلك العلامات المعروفة والمشاهدة في المصاحف، إنما بُنِيَ على التأمل في معاني آي القرآن، بحيث يقف القارئ ويبتدئ على حسب ما تقتضيه المعاني والألفاظ التي يحسن الوقوف عليها أو الابتداء بها، ولا شك أن مراعاة تلك العلامات والالتزام بها يُعد من أجَلِّ الأسباب المعينة على فهم كلام الله وتدبر آياته، وإنما قد أُخِذ اعتمادها من


(١) - يُنظر: التحديد للداني، ص ٧٢
(٢) - يعني تعليمًا، أو تلاوة مراجعة لضبط المحفوظ، أو قراءة يحتاج فيها لإسراع في القراءة لكثرة ما يقرأه كحال القيام في رمضان وغيره- ونحو ذلك من المقامات والأحوال التي يتعرض لها القارئ.
(٣) - النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (١/ ٢١٠ - ٢١٥).

<<  <   >  >>