للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثانيًا: القرآن هو المُعجِزة التي عمَّتْ الثَّقَلَيْن

وهذه المُعجِزة - القرآن- معجِزة عامَّة- تحدى الله بها، وقد عمَّ التحدي بها الثَّقَلَيْن جميعًا، وهي معجِزة باقية بقاءَ الدهر كما قال ربنا: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨).

وهذا أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بإعلان هذا التحدي ليسمع بها الثقلين، لأن التحدي قد عمَّهم جميعًا.

فأخبرَ أنَّه لو اجتمعت الإنسُ والجِنُّ كُلُّهم، واتَّفَقوا على أن يأتوا بمِثلِ ما أنزَلَه على رسولِه، لما أطاقوا ذلك وما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتضافروا، فإنه أمر لا يستطاع. (٥)

ومعنى الاجتماعِ:

الاتفاقُ واتحادُ الرأي، أي: لو تواردت عقولُ الإنسِ والجِنِّ على أن يأتيَ كُلُّ واحدٍ منهم بمِثلِ هذا القرآنِ لَما أتَوا بمثله. فهو اجتماعُ الرأيِ لا اجتِماعُ التعاون، كما تدُلُّ عليه المبالغةُ في قولِه بَعدَه: وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، - وهذا الاجتماع إنما هو-

اجتماعُ تظافُرٍ على عمَلٍ واحدٍ، ومقصَدٍ واحدٍ. (٦)

والمعنى المقصود هنا هو أنهم لو اتَّفَقت أراؤهم وتضافرت جهودهم مجتمعين على أن يأتُوا بمِثلِ هذا القُرآنِ في فصاحته وبلاغَتِه وحُسنِ أسلوبه وروعة بيانه وجودة سبكه وحُسنِ نَظْمِه ورصانة مَعانيه وكمال مقاصده وبعد مراميه؛ لَما أطاقوا ذلك أبدًا وما استَطاعوا أن يبلغوه ولو تآلفوا واجتمعوا وتعاونوا على ذلك متعاضدين متناصرين.

وقوله: (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) أي: لا يَأتونَ بمِثلِه ولو تعاوَنَ الإنسُ والجِنُّ، وتناصَروا على ذلك، فكيف بهم إذا حاولوا ذلك مُتفَرِّقينَ؟!. (٧)

فقد تَحَدَّاهم اللهُ أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله مفتريات، كما تحداهم أن يأتوا بأقصر سورة منه - كذلك- (٨) فعجَزُوا عن ذلك جميعًا رغم توافر الدواعي لديهم.

وكيف يقدر المخلوق من تراب أن يكون كلامه ككلام ربِّ العالمين، أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه أن يأتي بكلام ككلام الكامل، الذي له الكمال المطلق، والغنى الواسع من جميع الوجوه، هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل مَنْ له أدنى ذوق ومعرفة بأنواع الكلام، إذا وَزَنَ هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء ظهر له الفرق العظيم. (٩)


(٥) - تفسير ابن كثير: (٥/ ١١٧).
(٦) تفسير ابن عاشور: (١٥/ ٢٠٣).
(٧) يُنظر: (تفسير ابن جرير) (١٥/ ٧٥)، (تفسير القرطبي) (١٠/ ٣٢٧)، (تفسير ابن كثير) (٥/ ١١٧)، (تفسير الطاهر بن عاشور) (١٥/ ٢٠٣).
(٨) - وتأمَّل آيات التَّحدي في أرقام آيات السور التالية: (البقرة: ٢٣)، (يونس: ٣٨)، (هود: ١٣)، (طور: ٣٤).
(٩) - تفسير ابن سعدي: (١/ ٤٦).

<<  <   >  >>