للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولا تقوى من بني جلدتنا، والله تعالى وحده من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.

[المطلب السابع: بيان وجوب احترام الترتيب المصحفي وعدم التعرض له، والتصدي لمن تعرض له]

والخلاصة فإن الأمر قد انتهى إلى أنه يجب احترام هذا الترتيب.

"وسواء أكان ترتيب سور القرآن اجتهاديًا (من الصحابة) أو توقيفيًا (من عند الله) فإنه يجب احترامه خصوصًا في كتابة المصاحف لأنه عن إجماع الصحابة والإجماع حجة. ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب. ". (١)

وبعد الانتهاء من عرض تلك الكتب الثلاثة التي خالف مؤلفُوها جماهير السلف والخلف في لزوم الترتيب المصحفي، والجنوح عنه إلى الترتيب النزولي ومناقشتها والحكم عليها ناسب هنا عند الختام الاستزادة من أقوال وأدلة القائلين بالقول بأن ترتيب السور توقيفي والحكم عليها، وقد تبين لنا أمورًا ذكرنا جملة منها في بداية البحث، وننتقل هنا إلى ذكر جملة أخرى هامة من تلك الأمور فنختم بها لتكون مسكًا للختام، وذلك فيما يلي:

أولًا: إن كان في ترتيب آيات القرآن فيه من الإعجاز ما فيه، فإن ترتيب السور قد استخرج منه العلماء دررًا في علم المناسبات بين السور كذلك. فهو لا يقل شأنًا عن ترتيب آياته.

قال محمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ) لعكرمة (ت: ١٠٧ هـ) أيّام الجمع الأول للقرآن:

"ألَّفوه كما أُنزل الأول فالأول، فقال عكرمة: لو اجتمع الإنس والجن على أن يألفوه ذلك التأليف ما استطاعوا". (٢)

ثانيًا: الأولى في تلاوة القرآن مراعاة الترتيب المصحفي سواء كان ذلك في الصلاة أم خارجًا عنها لأنه الأصل، وإن حاد عنه أحيانًا جاز له ذلك ولكن ترك الأفضل والأولى والأحسن والأكمل والأتم، وذلك لأن ترتيب التلاوة أمر مندوب وليس بواجب بدليل فعله عليه الصلاة والسلام ذلك في صلاته في بعض الأحايين.

ويلحق البعض بذلك تعليم الصغار من بداية قصار المفصل لوجود المشقة والعنت في حفظ السور الطوال بداية، بل ولامتناعه عليهم أيضًا، وقد جرى على ذلك عمل الكثير من الأوليين في تعليم الصغار، وقد يلحق بهم كذلك تعليم الأعاجم الذين لا يحسنون العربية، وكذلك من أسلم وكان حديث عهد بكفر، وذلك لوجود العنت والمشقة في البدء بتلاوة وحفظ السور الطوال، وكذلك كبار السن ومن لديه تعثر وثقل في اللسان، وكل من يلحقه عنت ومشقة في الحفظ وتعلم التلاوة من بداية السور الطوال، وذلك لاشتراكهم جميعًا مع الصغار في العلة والسبب على حد سواء، ووجه الجواز في


(١) - الزرقاني: مناهل العرفان: (١/ ٣٤٤).
(٢) السيوطيّ، الإتقان: (ص: ١٥٥).

<<  <   >  >>