للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

وَإِن علل الرَّد بَعضهم بالاستغناء عَن قيد الْآدَاب الْعَامَّة بِقَيْد القوانين الَّتِي يُمكن أَن ينص فِيهَا على ذَلِك الْقَيْد، وخُدع بعض أهل الدّين وَالْأَدب بذلك وَمَا كَانَ ينغبي لَهُم أَن يُخدعوا، بل أَقُول إِن أَكثر النَّصَارَى من أَعْضَاء ذَلِك المؤتمر كَانُوا أقرب إِلَى الْمُسلمين المستمسكين بِأَحْكَام الْإِسْلَام مِنْهُم إِلَى المتفلتين من الدّين، وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ يَتَقَرَّبُون إِلَيْهِم وينتصرون لَهُم فِيمَا يُوَافق أهواءهم من مُخَالفَة هِدَايَة الدّين الْعَامَّة.

وَقد ثَبت بالتجارب أَن غير المتدينين إِذا اخْتلفُوا لأسباب سياسية أَو غَيرهَا فَإِنَّهُم يكونُونَ أَشد عَدَاوَة وقسوة لبَعْضهِم على بعض من المتدينين بِالْفِعْلِ من الْفَرِيقَيْنِ فالمتدين وَإِن شَذَّ يكون أقرب إِلَى الرَّحْمَة من المادي، وَاعْتبر ذَلِك بِمَا وَقع من الْقَسْوَة فِي الْحَرْب البلقانية، الْحَرْب الْعَامَّة بَين الأوربيين أنفسهم وَبَين من غلبت عَلَيْهِم تربيتهم من الأرمن وَالروم وَالتّرْك.

وأضرب مثلا آخر: الدكتور برتكالوس الرُّومِي قَالَ لجَماعَة من السوريين كَانُوا يظهرون الابتهاج وَالسُّرُور بالدستور العثماني عقب إعلانه: إِن حكم الشَّرِيعَة الإسلامية خير لنا معشر النَّصَارَى من حكم السدتور الَّذِي يسلبنا كثيرا مِمَّا أعطتنا الشَّرِيعَة من الأمتيازات ويحملنا مَا أعفتنا من التكليفات. وأيد كَلَامه اشتداد العداء بَين التّرْك وَبَين الرّوم والأرمن وَغَيرهمَا بعد الدستور الَّذِي ترَتّب عَلَيْهِ سلب هَؤُلَاءِ كثيرا مِمَّا بَقِي لَهُم مُنْذُ كَانَ الحكم بِالشَّرْعِ وَحده.

وإنني أعقب على هَذَا القَوْل بِأَن أَشد مَا يتبرم بِهِ متفرنجة التّرْك من أَحْكَام الشَّرِيعَة هُوَ مَا أَعطَتْهُ من الْحُرِّيَّة الواسعة لغير الْمُسلمين فِي بِلَاد الْإِسْلَام، ويرون أَنه لولاها لَصَارَتْ هَذِه الْبِلَاد مِلَّة وَاحِدَة كبلاد أوربة الَّتِي لم يكن فِيهَا شَيْء من هَذِه الْحُرِّيَّة ولاستراحت من العداوات والفتن الَّتِي أثارها عَلَيْهِم نَصَارَى الرومللي فالأناضول بدسائس أوربة حَتَّى كَانَت سَبَب انحلال السلطنة العثمانية، هَذَا رَأْيهمْ، وَمن الْغَرِيب أَن كثيرا من نَصَارَى بِلَادنَا المتفرنجين يوافقونهم على هَذِه النظرية وَيَقُولُونَ ياليت الْمُسلمين أكْرهُوا أجدادنا على الْإِسْلَام فِي أزمنة الْفَتْح وَالْقُوَّة، إِذن كُنَّا فِي أوطاننا أمة وَاحِدَة ذَات مِلَّة وَاحِدَة فنسلم من شقاء هَذَا الشقاق والفتن المخربة للبلاد.

<<  <   >  >>