للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <  ص:  >  >>

كذلك كان مقبولًا، بوجه عام، تعريف معين للمدنية الأوروبية: فقيمة أوروبا إنما هي القيمة التي تدعيها لنفسها، أو بتعبير أدق، القيمة التي كان ينسبها إليها مفكرو القرن التاسع عشر الليبراليون. وكانت العوامل المعتبرة أسسًا للمدنية الأوروبية و «سر» قوتها وازدهارها العوامل الآتية: المجتمع القومي؛ وحكم الأمة لنفسها على ضوء مصلحتها الخاصة؛ وفصل الدين عن السياسية؛ والنظام الديمقراطي في الحكم، أي سيادة الإرادة العامة المتمثلة في مجالس وطنية منتخبة بحرية ووزارات مسؤولة أمام هذه المجالس؛ واحترام الحقوق الفردية، وبنوع خاص، الحق في حرية القول والنشر؛ ومتانة الفضائل السياسية، كالولاء للمجتمع والاستعداد للتضحية في سبيله؛ وما هو أهم من كل ذلك، تنظيم الصناعة الحديثة، و «الروح العلمية» الكامنة وراءها.

لقد وافق «الوفد» في مصر، رسميًا، على هذه المبادئ. فكان هدفه الأول، الذي فيه كان اتحاده ومنه زخمه، التوصل إلى اتفاق معقول مع بريطانيا، يحقق لمصر استقلالها الداخلي، ويكرس وضعها الدولي، مع المحافظة على المصالح البريطانية المشروعة. وكانت فكرته عن مصر المستقلة قائمة على مفاهيم الفكر الليبرالي. فهي دولة يجب أن توحد بين المسلمين والأقباط فيها رابطة الولاء القومي المقدسة، وأن تكون حكومتها دستورية، والحقوق الفردية فيها محترمة، والمرأة حرة، والتربية الوطنية شاملة، والصناعة الوطنية دعامة لمستوى من العيش رفيع. لكن الوفد، كغيره من الأحزاب التي جابهتها الحاجة إلى اتخاذ قرارات، لم يحترم دومًا هذه المبادئ، خلال فترة حكمه القصيرة. ثم إن النزاعات المتعاقبة، التي فككت وحدته تدريجًا، أفقدته شيئًا من هيبة الناطق بلسان الأمة. غير أنه بقي، طيلة تلك السنوات العشرين، أقوى حزب في مصر. كما ظل تجسيدًا، وإن مشوبًا ببعض الشوائب، لمجموعة من الأفكار دان بها معظم المثقفين.

<<  <   >  >>