للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <   >  >>

الفصل الخامس

جمال الدين الأفغاني

عندما نظر الطهطاوي وخير الدين إلى أوروبا، كان أكثر ما رأياه فيها أفكارها واختراعاتها الجديدة، لا قوتها القاهرة الناجمة عن تلك الأفكار والاختراعات. نعم، كان خير الدين يعي الأخطار الكامنة في النفوذ الأوروبي المهدد بتزايده كيان الإمبراطورية. غير أنه رأى أن بالإمكان صد تلك الأخطار بمعاونة الدول الليبرالية نفسها. فلم تكن تلك الأخطار قد تفاقمت بعد، بحيث تصبح القضية الرئيسية للحياة السياسية. وقد بقيت كيفية شرح الانحطاط الداخلي وتعليله وضبطه، القضية الرئيسية التي شغلت الكتاب العثمانيين في القرنين السابع عشر والسادس عشر. وكانت أفكار أوروبا السياسية ومهاراتها العلمية تبدو لهم ضرورية لمعالجة هذه القضية، لذلك غدت أوروبا، قبل كل شيء، معلمًا وحليفًا سياسيًا للراغبين في إصلاح المجتمع العثماني. ولو تأخر الطهطاوي وخير الدين في وضع كتبهما سنوات فقط، لشددا فيها على وجوه من الموضوع دون أخرى. ذلك أن السنوات الواقعة بين ١٨٧٥ و ١٨٨٢ أسفرت عن أحداث دفعت بالعلاقة بين أوروبا والشرق الأدنى في اتجاه جديد. فقد دلت أزمة ١٨٧٥ - ١٨٧٨ الشرقية أن باستطاعة جيوش دولة أوروبية التوغل في قلب الإمبراطورية دون القدرة على صدها إلا بتهديد من دولة أخرى. كما أظهرت معاهدة برلين، التي أنهت تلك الأزمة، أن الإمبراطورية لم تعد ممسكة بزمام مصيرها ومصير كل ولاياتها. ثم جاء احتلال فرنسا

<<  <   >  >>