للانتقال للموقع القديم اضغط هنا
<<  <  ص:  >  >>

والاحترام المتبادل بين الديانات الذي يجب أن يوجد وقد وجد من قبل. كان نداؤه موجهًا إلى الوجدان الوطني، ولكنه كان ضمنًا موجهًا إلى السلطات العثمانية. وكان، بعد أخذه الظروف المحلية بعين الاعتبار، يشارك دعاة الإصلاح العثماني نظرتهم. فإذا كان على سوريا أن تتمدن، فعلى حكامها أن يقوموا بأمرين: الأول إصدار قوانين عادلة متساوية تتفق مع روح العصر، وتلتفت إلى الموضوع لا إلى الأشخاص، وتقوم على الفصل بين حقلي الدين والدنيا؛ والثاني: إنشاء تربية باللغة العربية، إذ يجب أن لا تصبح سوريا بابل لغات كما هي بابل أديان (٧٣).

أما غرض هذه التربية فيجب أن يكون فهم العلوم الحديثة وما يكمن وراءها من طريقة عقلية دقيقة للتفكير والعمل. وعند هذه النقطة يلتقي جانبًا نشاط البستاني في هدف موحد: تغيير عقول الناطقين بالضاد وقرائها وجعلهم مواطنين في عالم العلم والاختراع الحديث، وذلك بجعل اللغة العربية أداة صالحة للتعبير عن المفاهيم الحديثة. وهو في هذا السبيل وضع موسوعته الكبرى التي كانت أهم ما قام به، والتي بدأ هو وعائلته بإصدارها في ١٨٧٦ بمعونة مالية من الخديوي إسماعيل (٧٤). وقد شغلته حتى مماته، ثم تابع أولاده إصدار أجزائها، حتى بلغت أحد عشر مجلدًا ضخمًا، دون أن تكتمل. وهي تشتمل على أبحاث في العلوم، والطب، والأشغال الهندسية، والأفكار اللبرالية السائدة في أوروبا وأميركا. ومنها نتبين مدى الشوط الذي قطعه الفكر العربي، منذ أن لاحت لمشاقة، عرضًا، فكرة كتاب في علم النجوم، ووطأت أقدام الطهطاوي أرض مرسيليا.

<<  <   >  >>