للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

"الروغان" من آرائه التي يعلنها بنفسه حتى ولو خطتها يمينه. ومن أطرف ما يمكن أن يقرأ دفاعه عن نفسه عند محاكمته، ووصمه الناس بعدم فهم مقاصد كلامه ومعانيه، ثم ما نشره بعد ذلك في الصحف دفاعًا عن "دفاعه"، عندما اتهم بالتردد والرجوع عن آرائه أمام المحكمة (١).

والنتيجة التي انتهى إليها علي عبد الرازق يلخصها في خاتمة الكتاب بهذه الكلمات "إن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وأنها ليست في شيء من الخطط الدينية. . . كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة" (٢).

يناقش علي عبد الرازق ما يورد من أدلة على الخلافة من آيات القرآن، فيذهب إلى أن معناها أوسع وأعم من أن يقصد به الخلافة، وأما ما ورد من الأحاديث في شأن الإمامة والبيعة والجماعة وغيرها، فهي لا تصلح دليلًا لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكمًا من أحكام الدين، إذ هي لا تدل على أكثر مما دل عليه ذكر المسيح لبعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر، ثم يناقش دليل الإجماع من أن المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا أجمعوا على وجوب نصب خليفة، فيورد أن الخلافة الإسلامية كانت منذ عهد أبي بكر الصديق إلى هذا اليوم عرضة للخارجين عليها المنكرين لها. ولحركة المعارضة هذه تاريخ كبير جدير بالاعتبار، وأنها أحيانًا كانت تتخذ شكلًا قويًا مما جعل الخلافة لا ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة والبطش، فهل بعد هذا يمكن أن يدعى الإجماع عليها؟ (٣).

ثم يقول: "إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحًا ما يقولون، من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح


(١) راجع: النصوص الكاملة للمحاكمة ودفاعه في الدراسة التي قدم بها محمد عمارة لكتابه "الإسلام وأصول الحكم". .
(٢) "الإسلام وأصول الحكم" ص ١٨٢.
(٣) المصدر نفسه ص ١٢١ - ١٣٤.