للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

"وأهل البدو" -كما يذكر ابن خلدون١- "أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر ... قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية"، ومرد هذا عنده إلى حياتهم التي يحيونها في البيداء، والإنسان "ابن عوائده ومألوفه".

وقد رأينا أن هؤلاء الرجال الأقوياء من أبناء الصحراء يرفضون الاعتماد في حياتهم على الزراعة أو الصناعة، ولا يجدون سبيلا للعيش إلا في الرعي أو التجارة أو الصيد أو النهب، ورأينا في الفصل السابق كيف كان صعاليك العرب يرفضون الرعي؛ لأنهم يرون فيه عملا من أعمال العبيد الأذلاء، أما التجارة فلم يكن للصعاليك مجال فيها؛ إذ هي تعتمد قبل كل شيء على رأس مال يُستغل فيها، وأنى لهؤلاء الفقراء رأس المال الذي يصلح للاستغلال التجاري؟ وإذن لم يبق أمامهم سوى الصيد والنهب، وقد اعتمدوا عليهما جميعا، وهما -كما نرى- سبيلان للعيش متشابهان، أو هما فرعان لأصل واحد هو الاغتصاب.

هكذا خلقت الصحراء هؤلاء الرجال الأقوياء، ووضعتهم في بيئتها الفقيرة، وضيقت عليهم موارد العيش، وأوجدت في جوارهم بيئات خصبة تفيض بالمال والثراء، فلم يكن هناك مفر من النتيجة التي تنتج من تفاعل هذه العوامل معا، وهي "الغزو والإغارة للسلب والنهب".

وانتشر صعاليك العرب في البادية يقطعون طرقها، وينهبون ويسلبون، ويثيرون في أرجائها الرعب والفزغ، ويغيرون على المناطق الخصبة، ويهددون أهلها في ثروتهم وحياتهم، ويعترضون القوافل التجارية، حتى لتضطر إلى أن تخرج مسلحة في حرس شديد، أو تحتاج إلى من يجيزها على المناطق الخطرة٢، وحتى لتتنكب القبائل العربية في اختيار منازلها مقانب العرب في سراياهم٣، ويحذر بعضهم بعضا من أن يتلعب به صعاليك العرب، وتتخطفه ذئابها، وتأكل ماله٤.


١ المقدمة الفصل الخامس من الباب الثاني من الكتاب الأول/ ١٢٥.
٢ انظر قصة البراض الكناني وعروة الرحال مع لطيمة النعمان في الأغاني ١٩/ ٧٥، وانظر في قصص الحفارة المحبر لابن حبيب/ ٢٦٣-٢٦٧.
٣ البكري: معجم ما استعجم ١/ ٥٣.
٤ الأغاني ٢/ ١٢٦، والبغدادي: خزانة الأدب ١/ ١٨٥-١٨٦.

<<  <   >  >>