للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَظْهَرُ تَعَدِّي ظُلِمَ هَاهُنَا بِالضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: ظُلِمَ بِهَا وَيُقَالُ إِنَّهُ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَظْلِمَةِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ كَذَا قَالَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَصْدَرٌ وَبِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ ضَمِّهَا اسْمٌ فَالْمَنْصُوبُ فِي ظُلِمَهَا عَلَى الْأَوَّلِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَعَلَى الثَّانِي مَفْعُولٌ بِهِ وَظُلِمَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ قَصْرَهُ عَلَى وَاحِدٍ فَقُدِّرَ ظُلِمَ بِهَا، قُلْتُ: عِبَارَةُ الْقَامُوسِ ظَلَمَهُ حَقَّهُ وَالْمَظْلِمَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْمَصْدَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ: أَوْ ضَمِّهَا سَهْوٌ وَوَهْمٌ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا لَمْ يَنْتَقِمْ لِمَظْلِمَةٍ يَنْتَقِمُ مَعَ أَنَّ مُرْتَكِبَهَا قَدْ بَاءَ بِإِثْمٍ عَظِيمٍ لَا سِيَّمَا لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الَّذِي سَحَرَهُ وَالْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي ذَكَرَتْهَا بِقَوْلِهَا (مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ) وَهِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: مَا لَمْ يُرْتَكَبْ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ قَالَ الْحَنَفِيُّ: الْمَحَارِمُ جَمْعُ الْمَحْرَمِ، وَهُوَ الْحَرَامُ وَالْحُرْمَةُ وَحَقِيقَتُهُ مَوْضِعُ الْحُرْمَةِ انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا) وَقَدْ سَبَقَ أَنْ قَوْلَهُ مِنْ أَشَدِّهِمْ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ أَشَدَّهُمْ، لَكِنْ قِيلَ مِنْ هَاهُنَا زَائِدَةٌ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ زِيَادَةَ مِنْ فِي الْكَلَامِ الْمُوجَبِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ثُمَّ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ الَّتِي يَنْتَقِمُ لَهَا وَلَا يَعْفُو عَنْهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ إِذَا صَمَّمَ فِي طَلَبِهِ وَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ كَانَ

يُؤْذِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَاتِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ عَفْوَهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَنْبٍ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ فَاعِلُهُ قِيلَ ظُلْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلْزِمُ انْتِهَاكَ شَيْءٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّ ظُلْمَهُ إِيذَاؤُهُ وَإِيذَاؤُهُ إِيذَاءٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيذَاءَ مُطْلَقًا لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأَنَّ إِيذَاءَهُ قَدْ يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ جَافٍ، وَهَذَا لَهُ نَوْعُ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَفِّرْهُ وَعَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَجَاوُزُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ وَلَمْ يَتَحَدَّثُوا عَنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَكَانَ يُسَامِحُ عَنْ كَافِرٍ مُعَاهِدٍ لِيَتَأَلَّفَهُ أَوْ عَنْ حَرْبِيٍّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ (مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا بِذِكْرِهِ أَيْ: بِصَرِيحِ اسْمِهِ وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ قَطُّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَمَنَعَهُ إِلَّا أَنْ يُسْأَلَ مَأْثَمًا وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونَ لِلَّهِ يَنْتَقِمُ) (وَمَا خُيِّرَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (

<<  <  ج: ص:  >  >>