للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

وقوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} ١.

قال: وقال الكافرون والأصل أن يقال: وقالوا: ولكنهم ذكروا بصفة الفكر ليتقرر أنه لا يقول في نبي الله هذه المقالة إلا جاحد لكل خير، كافر بكل حقيقة، وأن الكفر يقترن بالكذب والبهتان، ومجانبة الصدق والعدل، ولولا أنه أفسد طباعهم لما اجترءوا على من يعرفون فضله وصدقه.

وواضح من هذه الشواهد أن هذه الإشارة إنما أوحت بها دلالة المظهر؛ لأنها ذات خصوصية في السياق مثل الذين ظلموا، والكافرين، ورسوله -والمؤمنين، وهناك ضرب من وضع الظاهر موضع المضمر يراد به مع هذه الخصوصية تقرير المظهر، وتمكينه في القلوب، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} ٢، قال {اللَّهُ الصَّمَدُ} بعد ذكر لفظ الجلالة، وآثر المظهر على الضمير؛ لأن للفظ الجلالة بمدلوله الكريم وقعًا عظيمًا في القلوب، والمراد تمكين الألوهية، وإشاعة هيمنتها في الضمائر، وخذ المصحف واقرأ فيه من أي موضع تشاء تجد هذا الأسلوب، وكأنه أصل من أصول البلاغة القرآنية، تجد أسماء الله الحسنى، وخصوصًا هذا الاسم الأعظم يقع هذا الموقع في كثير من الجمل القرآنية لينساب نورها الغامر في القلوب، وتشيع مدلولاتها فتتمكن من النفوس زيادة تمكن، وتتقرر في السرائر أحسن قرار، وبذلك تتربى مهابة الحق وحده في الأمة التي يربيها القرآن، فلا يكن في صدرها خشية إلا لله وللحق.

وقد أدرك البلاغيون وحي الكلمة، وعملها بما يثيره لفظها من شئون في


١ سورة ص: ١-٤.
٢ الإخلاص: ١، ٢.

<<  <   >  >>