للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حرص ابن عباس على سنة النبي صلى الله عليه وسلم]

كذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان حريصاً على السنة، فقد كان ينام على باب أحد الصحابة، فيحكي عن نفسه فيقول كما عند الدارمي بسند صحيح: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثر.

أي: في هذا الوقت قد مات الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كثر، ولو لم نسألهم الآن فإنه سيأتي يوم يموتون هم أيضاً، فلا بد أن نسألهم ونتعلم منهم، وذلك حتى نعرف العلم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صاحبه الأنصاري مستغرباً: وا عجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك.

وفيهم كبار الصحابة، كأمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم؟ وكان عُمْرُ عبد الله بن عباس عندما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة، وكأن الأنصاري استقله لصغر سنه.

يقول عبد الله بن عباس: فترك ذلك.

أي: أن صاحبه الأنصاري لم يذهب فيسأل الصحابة، قال ابن عباس: وأقبلت أنا على المسألة، وإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه في قيلولته، فأتوسد ردائي على بابه، فتسف الريح التراب على وجهي.

فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك.

فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك.

فأسأله عن الحديث.

وبعد مرور فترة من الزمن على طلب العلم يقول ابن عباس رضي الله عنهما: فبقي الرجل - أي: صاحبه الأنصاري- حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ يسألونني العلم.

أي: صار ابن عباس رضي الله عنهما من علماء المسلمين، ورحل الناس إليه لطلب العلم، بينما صاحبه الأنصاري ندم على ذلك، ولذا جاء عنه أنه قال: كان هذا الفتى - أي عبد الله بن عباس - أعقل مني.

لكن الندم عند ذلك لا ينفع، والوقت الذي يذهب منك لا يرجع مرة أخرى، والذكي هو الذي لا يضيع وقته، وكل شيء يمكن أن يعوض إلا الأيام والليالي.

<<  <  ج: ص:  >  >>