للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

خفائهم واستتارهم، وقد قال الله في إبليس وهو من الجن: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} ١ وقد نقل عن الإمام الشافعي تشديد عظيم على من يدعي رؤيتهم ... وقد اختلف النقل عن الصحابة في رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم، فروي عن ابن مسعود أنه رآهم، وروي عن ابن عباس أنه لم يرهم وأنه لو رآهم لما قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} ٢، وقال بعض العلماء: إن ابن عباس قال بما يدل عليه القرآن، وابن مسعود قال بما ثبت عنده ولا منافاة. وادعى بعضهم أن رؤيتهم تكون كرامة للأولياء وسيأتي البحث فيه في موضعه ... ولكن لم يقل أحد من المسلمين ولا من غيرهم أن الجن يظهرون ويسألون العلماء على مرأى من الناس ومسمع. وأن للناس من الحكايات عن الجن في كل قطر وكل شعب ما يكاد يصل إلى حد الجنون. والله يعلم إنهم لكاذبون" ٣.

والذي يدفع رشيد رضا إلى اتخاذ هذا الموقف هو الأمر الذي وصلت إليه البدع من عبادة الجن والتقرب إليهم لاعتقاد الناس أنهم يمرضون الأجسام ويخطفون الأطفال ويشفون المرضى ويردون المفقودين. "ومن ذلك الزار الذي يخرجون به الشياطين من الأجساد بزعمهم، ولهذه الخرافات مضار ورزايا كثيرة في الأبدان والأرواح والأموال والأعراض ... " ٤.وبينما يقر رشيد رضا بالطب الشرعي أو الروحي إلا أنه ينعى على الناس ما تسرب إليهم من هذا الباب من الخرافات والبدع، فيقول: "ومن المصائب على البشر أن أكثر المؤمنين بطب الدين الروحي في هذه القرون الأخيرة لا يقفون عند حدود ما أنزل الله على رسوله وما فهمه من حملته من السلف الصالح، بل زادوا وما زالوا يزيدون من الخرافات والبدع والضلالات، ما جعلهم حجة على دينهم وفتنة للذين كفروا ... " ٥.


١ سورة الأعراف، الآية (٢٧)
٢ سورة الجن، الآية (١)
٣ مجلة المنار (٦/ ٢٦٦ ـ ٢٦٧) وانظر أيضاً: تفسير المنار (٨/ ٣٦٨)
٤ تفسير المنار (٨/٣٦٨)
٥ المصدر نفسه (٨/٣٦٧)

<<  <   >  >>