للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

نتائجها، وقد كانت النبوات السابقة وآياتها تلائم حالاتهم النفسية ومكانتها العقلية، ولما كان الاستعداد يتفاوت في الأمم كانت أمة أولى من أمة بتقدم عهد النبوات فيها، وكانت تلك الأمة المتقدمة جديرة بأن تكون إماماً للأمة المتأخرة، سنة الله في الخلق ١.

وبناءً على ذلك فإن آية هذه البعثة ليست كآيات من سبقه من الأنبياء لأن "الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها، لأن البشر قد بدؤوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال النوعي الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع من تصدر منهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف في سنن الكون، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم العقلي مع هذا الخضوع ... فجعل حجة خاتم النبيين عين موضوع نبوته وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وعلومه وبإعجازه اللفظي والمعنوي، وبأنباء الغيب الماضية والحاضرة والآتية، ليربي البشر على الترقي في هذا الاستقلال إلى ما هم مستعدون له من الكمال، هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية والنبوة العامة الباقية، قد عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ما من الأنبياء نبي إلى وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ٢ ... " ٣.

وأما الآيات الكونية التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم، فيثبتها رشيد رضا إلا أن له فيها رأياً سوف نراه قريباً.

ويورد رشيد رضا اعتراضاً على تقريره حاجة العالم لبعثة نبينا صلى الله عليه وسلم ويجيب عليه فيقول: "فإذا قيل: إنه كان في الدنيا دينان سماويان، أي دين اليهود ودين النصارى، وكتابان إلهيان وهما: التوراة والإنجيل، فكان يغني عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلهام الله تعالى رؤساء الدينين وحملة الكتابين أن يقيما


١ تفسير المنار (٢/ ٢٩٤ ـ ٢٩٥) بتصرف.
٢ سبق تخريجه (ص:٦٧٩)
٣ الوحي المحمدي (ص: ٧٩ ـ ٨٠)

<<  <   >  >>