للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولجئوا إلى القطرين فإنهم وردوهما وقد تشبع العلماء من روح المغاربة، ومن هنا ندرك:

السر في تغلب المذهب الأندلسي عند نحاة القطرين على البغدادي:

من الحديث السالف الذي وقفت منه على تبكير المغاربة عن المشارقة في النزوح إلى القطرين واستيطانهما ومعهم مؤلفاتهم وقد تكون لديهم مذهبهم تدرك أن مذهبهم سبق المذهب البغدادي إلى علماء القطرين، فإن علماءهما قد تتلمذوا لهم فتشبعوا بروحهم وتغلب المذهب الأندلسي عليهم، فتغلغل في الدراسة والتصنيف والرأي أخيرا.

فألفية ابن مالك الأندلسي التي كثرت الشروح عليها، وطاف المؤلفون في القطرين حولها هي التي توزعت دراستها على مراحل التعليم باعتبار شروحها سهولة وصعوبة، واختصارا واتساعا، وكذا "الكافية الشافية" له أيضا، وقد راجت أقوال ابن مالك حتى عند المشارقة، وقد نقل الرضي عنه كثيرا في شرحه على "الكافية" لابن الحاجب، وبالجملة فإن اتجاه النحاة بعد اقتفى المنهاج الأندلسي وما برح إلى عصرنا الحاضر في القطرين ففي هذا العصر فاضت دراسة النحو في أغلب مدن القطرين، وبخاصة في القاهرة ودمشق وحلب.

وقد كانت الدراسة أول أمرها أشبه شيء بعلاج المريض الذي لم يبق فيه إلا الذماء١ ولكن اطرادها على طول الأيام محفوفة بالترغيب والتقدير قد أكسبها استعادة ما فقد النحو من الازدهار، فظهر في البلدين جهابذة العلام٢ الذين حفظوا وجود هذا العلم بعد نكبتي المشرق والمغرب ونقلوه كاملا غير منقوص لمن بعدهم ممن حدثوا في عصورهم الظلام، ونشطت حركة التأليف لتزايد الإقبال عليها، ومن مظاهر هذا النشاط أن توخى أغلب


١ الذماء: بقية النفس.
٢ العلام: جمع علامي: الخفيف الذكي.

<<  <   >  >>