للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأصل فيه التوقيف، قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". (١). (٢)

[البدعة في المفهوم الاصطلاحي]

والبدعة في المفهوم الاصطلاحي كما عرفها الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) - رحمه الله- في الاعتصام هي:

" طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية". (٣)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) -- رحمه الله-:

" البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم-، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب". (٤)

وإذا علمنا أن البدعة هي أمر محدث ومخترع في الدين يُضاهي الشرعية وهي ما لم يشرعه الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- يُقصد به التعبد والتقرب إلى الله، على غير مثال سابق، وقد علمنا كذلك أن القرآن قد سبق وأَنْ جُمِعَ في صدور الرجال، وقد جُمِعَ كذلك في ألواحٍ عندهم، فاجتمع له جمعان: جمع في الصدور، وجمع في السطور.

لذا فلا يُعد جمعه في مكان واحد من الأمور المحدثة في الدين، وإن جمع أبي بكر-رضي الله عنه- لم يكن من ذلك أبدًا، بدليل إجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- على استحسانه، بل والمشارك فيه كذلك، وأن كل ما في الأمر أنه جمعٌ لما كتب مفرقًا في الجمع النبوي الأول فحسب.

قال الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) في الفتح:

"وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من في المصحف فقال: كيف جاز أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟

والجواب: أنه لم يفعل ذلك إلاّ بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي- -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلاّ بكتابة ما كان مكتوبًا.

ثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله- -صلى الله عليه وسلم- " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " (٥) (٦) فما أحدٌ بعده إلاّ وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة". (٧)

وإن أبرز ما قيل في موافقة الصحابة-رضي الله عنهم-لهذا الجمع قول علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-: …

"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمعه بين اللوحين. (٨)

وقد ذكر الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ) -رحمه الله- وجوهًا في فعل أبي بكر من أجودها خمسة:

الأول: أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ترك ذلك مصلحة، وفعله أبو بكر للحاجة.


(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٢) يُنظر: موسوعة توحيد رب العبيد، للشيخ الفوزان: (١/ ١٧٦). بتصرف يسير.
(٣) - الاعتصام (ص ٢٨).
(٤) مجموعة الفتاوى: (٤/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٥) - مسلم الزكاة (١٠١٧)، الترمذي العلم (٢٦٧٥)، النسائي الزكاة (٢٥٥٤)، ابن ماجه المقدمة (٢٠٣)، أحمد (٤/ ٣٥٩)، الدارمي المقدمة (٥١٤).
(٦) - الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة. صحيح مسلم ج ٢ - ص ٧٠٥.
(٧) - فتح الباري ج ٩ - ص ١٠. فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣
(٨) -أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن: (ص: ١٥٥)، وابن أبي داود في كتاب المصاحف (ص: ٥)، وأورده ابن كثير وقال عنه: إسناده صحيح، تفسير القرآن العظيم (فضائل القرآن)
(١/ ٢٥). ويُنظر: أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف: (ص: ٤٥ - ٤٧)، و: (ص: ٩٤).

<<  <   >  >>