للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الكتابة. (١)

لقد اختاره أبو بكر-رضي الله عنه- لهذه المهمَّة العظيمة والخطب الجسيم، لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل، وقربه من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، واعتماده- صلى الله عليه وسلم-، عليه.

ويقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) - رحمه الله- في ذلك:

" اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشهد العرضة الأخيرة (٢) للقرآن في ختام حياته -صلى الله عليه وسلم-، وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه (٣).

المبحث الثالث: أسباب اختيار " زيد " لهذه المهمة إجمالًا

يمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي:

١ - أنه من الحفاظ الذين اشتهروا بحفظ القرآن واتقانه على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-

٢ - توفر عنصر القوة والنشاط والحيوية فيه، وإنما يؤخذ ذلك من قول أبي بكر-رضي الله عنه- له: "إنك رجل شاب"؟ والشاب له من القوة والنشاط ما ليس لغيره.

والشباب له ميزة قد تخفى غالبًا، ألا وهي أنهم علموا ما نسخ مما بقيت تلاوته بخلاف الكثير من الكبار الذين تقدم إسلامهم، والذين قد يخفى على البعض منهم ما نسخ، وذلك بخلاف الشباب، والله أعلم.

٣ - اتصافه بالذكاء والفطنة ورجاحة العقل وسرعة البديهة وهي مقومات تعينه على حسن التصرف ولا سيما عند تشابك وتشابه الأمور، ولاشك أن ذلك أدعى لكمال العمل وإتمامه وإحسانه، وإنما يؤخذ ذلك من وصف أبي بكر- رضي الله عنه- له بأنه: "عاقل"، ومما يدلل على ذلك أيضًا صدوره عن رأي أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- ورجوعه إليه بعد أن علم أنه الحق. ويتبين ذلك من قوله: " فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-"، فما كان تردده- رضي الله عنه- وتوقفه في بادئ الأمر إلا عن رجاحة عقلٍ وإعمال فكرٍ.

٤ - ما ناله من اطمئنان وتزكية أبي بكر- رضي الله عنه- له من خلوه من الموانع القادحة كخوارم المروءة ومما يشين من الصفات، فلا تتوجس النفس منه ولا ترتاب ولا تشك فيه، وبذلك لا تلحقه أدنى تهمة قادحة في دينه تمنع من قبول عمله وأداء مهمته الجسيمة، ويستنبط ذلك من قوله له: " لا نتهمك ".

٥ - وجود الخبرة السابقة لديه في نفس المهمة التي سيقوم بها ألا وهي كتابة الوحي للنبي- صلى الله عليه وسلم، مع ما - قيل- واشتهر من شهوده للعرضة الأخيرة، وهي ما يشبه ما يسمى بـ" شهادة الخبرة " في عصرنا الحالي.


(١) - مباحث في علوم القرآن ١٢٧. مباحث في علوم القرآن المؤلف: مناع بن خليل القطان (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١
(٢) - سبق بيان عدم ثبوت شهود زيد للعرضة الأخيرة بأدلة ثابتة صحيحة، ومعتمد البعض على الشهرة والاستفاضة، وفي مثل هذه القضايا يكتفى بهما عند البعض.
(٣) - مناهل العرفان: ١/ ٢٥٠، وراجع الفتح: ٩/ ١٣، والمقنع: ١٢٤.

<<  <   >  >>