للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المستنبطة، لا تتمتّعان بنفس الوزن والاعتبار الذي تناله المظانّ والحِكَم المنصوصة أو المجمع عليها.

وللمظنة والحكمة في آحاد الوقائع أربعُ حالات من حيث الاستناد إلى النص، أو الاجتهاد، كالآتي:

الأولى: أن تكون المظنة منصوصة والحكمة اجتهاديّة.

الثانية: العكس: بأن تكون الحكمة منصوصة والمظنة اجتهاديّة.

والثالثة: أن تكون المظنة والحكمة كلاهما منصوصًا.

والرابعة: العكس: بأن تكون المظنة والحكمة كلاهما اجتهاديًّا.

وفيما يلي إلقاء للضوء على هذه الحالات الأربع:

[الحال الأولى: أن تكون المظنة منصوصة والحكمة اجتهادية]

ومثال ذلك النهي عن سفر المرأة إلا مع محرم أو زوج، فالسفر، وهو المظنة، منصوصٌ عليه، وأمّا الحكمة، وهي أمن الطريق، فمستنبط، لذلك دار الجمهور مع المظنة ونازعوا في أنّ الأمن وحده هو المقصود من النهي، لأنّ المرأة، بالإضافة إلى الأمن، تحتاج إلى من يقوم على حاجاتها في السفر أيضًا (١).

ومثاله أيضا قطع الزكاة عن المؤلّفة قلوبهم، كما في اجتهاد أبي حنيفة، رحمه الله، لأنّ إعطاء النبي، صلى الله عليه وسلم، إيّاهم كان معلولًا بحكمة ضعف المسلمين، فكأنّ إعطاءَهم كان لحاجة الدولة إليهم دفعًا لخطرهم المحتمل إذا ما انقلبوا، أو دفعًا لخطر مَنْ وراءَهم من الكفار، أو تكثيرًا لسواد المسلمين، ومع عزّة الإسلام، وانتشاره، وكثرة أتباعه، تنتفي هذه الحكمة. والجمهور داروا مع المظنة وهي وجود وصف التأليف نفسه، لا مع الحكمة المذكورة، ورأوا أنّ التأليف والتحبيب في الإسلام مقصودٌ أيضًا بغضّ النظر عن حاجة الدولة للمؤلّفة وعدمها، ومن ثَمّ لا يتأثّر بقوّة الدولة وضعفها (٢).


(١) ينظر: ابن الهمام، فتح القدير، ٢/ ٤٢١.
(٢) ينظر: أبو عبيد، الأموال، ٧٢٠؛ ابن هبيرة، اختلاف الأئمة العلماء، ١/ ٢١٥.

<<  <   >  >>