للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التنظيمات الإدارية التي تهدف إلى حفظ المصالح على الناس ودفع المفاسد عنهم بوسائل منضبطة بأسبابها وشروطها وموانعها من جهة الاجتهاد لا النص.

وعدمُ وجود النص الشرعي على هذه الوسائل/ المظانّ بعينها، ولا على نظيرٍ قريب منها يمكن قياسها عليه، لا يعني عدم مشروعيّتها واعتبارها، وذلك لأنَّ المصالح الناجمة عنها تندرج بأجناسها العُليا في المصالح الشرعية، فكونها أحكامًا مرسلة يعني أنها مرسلة عن النص والقياس اللذين يشيران إلى المعنى المصلحي المترتب عليها بعينها أو بنوعها القريب، وليست مرسلة عن جنس المصالح الشرعيّة، كعموم حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل والعرض، بل هي مندرجة فيها، ولذلك كانت هذه المظانّ المحقِّقة لهذه المصالح المندرجة في عموم مقاصد الشريعة مظانَّ معتبرةً شرعًا.

والحاصل بعد استعراض هذه الحالات الأربع وأمثلتِها، أنّ النص على المظنة أو الحكمة أو الإجماع عليهما يجعل لهما مزيّةً واعتبارًا أقوى ممّا لو لم يكونا منصوصين، وذلك لما يحمله النصّ - وكذا الإجماع - من دلالة على اعتبار الشارع لهما.

ومما تجدر الإشارة إليه هاهنا أنّ النصّ على كلٍّ من المظنة أو الحكمة قد يكون بنصٍّ واحد أو بمجموعة نصوص، وقد يكون بنصٍّ أو نصوصٍ صريحة أو غير صريحة (إشارية). وكلُّ هذا يؤثّر في مدى قوّة الاعتماد على كلٍّ من المظنّة أو الحكمة. ومثال ذلك مسألة النهي عن سفر المرأة إلا بمحرم، حكمتها وهي أمن الطريق مستنبطة، لكن قوّاها الشافعية بالمعنى الإشاري الذي جاء في الحديث: «لترينّ الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله» (١).

ومثال ذلك أيضًا النهيُّ عن إسبال الثوب، جاء مطلقًا في نصوصٍ ومقيَّدًا في أخرى بحكمة الخيلاء (٢)، وجاء في نصٍّ شبه صريح نوطُ حكم الإسبال، من جهة العدم، بالخيلاء، حيث قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «إنّك لست تصنع ذلك خيلاء» (٣). وقد كان لذلك


(١) البخاري، الصحيح، ٤/ ١٩٧.
(٢) ينظر: المرجع السابق، ٧/ ١٤١؛ مسلم، الصحيح، ١/ ١٠٢.
(٣) البخاري، الصحيح، ٥/ ٦.

<<  <   >  >>