للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المبحث الثاني: وسائل مُعالَجَة الفقر في العَهْد النبَوي

وفيه ستةُ مَطالب:

المَطْلَب الأول: المُؤاخاة

ورد في السِّيَر أن المواخاة كانتْ مرتين؛ الأولى: بين المهاجرين بعضهم وبعض قبل الهجرة على الحق والمواساة، آخى بينهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزُّبير وابن مسعود، وبين عُبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقَّاص، وبين أبي عُبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطَلْحَة بن عبيد الله، وبين علي ونفسه - صلى الله عليه وسلم - (١).

ومن العلماء مَن يُنكر مواخاة المهاجرين لبعضهم، قال الحافظ ابن كثير: (أما مؤاخاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلي، فإن مِن العلماء مَن يُنكر ذلك، ويَمنع من صحته، ومستنده في ذلك أن هذه المُؤاخاة إنما شُرعتْ لأجل ارتفاق بعضهم من بعض، وليتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي لأحد منهم، ولا مهاجري لمهاجري، كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، اللهم إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعلْ مصلحة عليٍّ إلى غيره، فإنه كان ممن ينفق عليه من صغره في حياة أبيه، وكذلك أن يكونَ حمزة التزم بمصالح مولاه زيد، وكذلك ذِكْره مؤاخاة جعفر ومعاذ فيه نظَرٌ، لأن جعفرَ كان مهاجرًا بالحبشة) (٢).

وقد مدح الله الأنصار في إيثارهم لإخوانهم المهاجرين، وأثنى عليهم بقرآنٍ يُتلى بسبب إيثارهم لإخوانهم المهاجرين ومواخاتهم لهم، فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ


(١) عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، اليَعْمُري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين (المتوفى: ٧٣٤ هـ)، تعليق إبراهيم محمد رمضان، دار القلم- بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٤/ ١٩٩٣، (١/ ٢٣٠).
(٢) السيرة النبوية لابن كثير (٢/ ٣٢٦).