للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

فالذي يظهر أنَّهم ليسوا في حالة اقتصاديَّة ثابتة، بل تتفاوت بحسب توافر الموارد، ومنها مواسم نضوج الثَّمر، فقد كانت المدينة بلدًا زراعيًّا اشتهر بزراعة النخيل، فإذا طاب الثمر كثر الإنفاقُ عليهم.

كما يختلف حالهم بحسب ما يحصلون عليه من الغنائم، فقد ثبتت مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله، كما تقدَّم وكما سيأتي تفصيلُه.

إضافة لما يحصلون عليه من موارد ناتجة عن العمل والكسب كما سيأتي.

المطلب الثَّاني: الكفاءة التَّوظيفيَّة

يمكن دراسة الكفاءة التَّوظيفيَّة للنموذج وفق ما يلي:

أولًا: العمل والكسب

قال ابن تيمية رحمه الله: «وكان فقراء المسلمين من أهل الصُّفَّة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الَّذي لا يصدُّهم عمَّا هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب، وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله ... فإنَّ الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق ... ولم يكن في الصَّحابة لا أهل الصُّفَّة ولا غيرهم من يتَّخذ مسألة النَّاس ولا الإلحاف في المسألة بالكدية والشحاذة، لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك». (١)

وذكر الشَّاطبي في الاعتصام أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل صُفَّة المسجد من لم يجد وجهًا يكتسب به لقوت ولا لسكنى، وحضَّ أصحابه على إعانتهم، والإحسان إليهم؛ لأنهم أضياف الإسلام، وحق على الضيف إكرامه والإنفاق عليه حتَّى يجد السعة والرزق، ثمَّ قال: ومع ذلك كانوا بين طالب للقرآن والسُّنة كأبي هريرة، فإنه قصر نفسه على ذلك، وكان منهم من يتفرَّغ إلى ذكر الله


(١) الصُّفة، دراسة تاريخية توثيقية، مرجع سابق، (ص: ٤٩).