للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الاستبداد وحرمان الأمة من الشورى, ولهذا فإن القرآن أجاز للمقاتلين في هذه الغزوة الانتفاع بما أخذوه من فداء حتى وإن كان اجتهاداً غير مستساغ أو غير راجح أو غير موافق للرأي السديد فأنت ترى في هذه الغزوة أن القرآن رغم معاتبتهم إلا أنه أتاح لهم الأكل والانتفاع بما أخذوه من فداء الأسرى إذا يقول الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١).

٧) أن التصويت مع الاختلاف في الرأي في أمر الشورى جائز، فللإنسان أن يبدي رأيه وإن خالف رأي الأكثرية, غير أن الأكثرية إذا اتخذت موقفاً سواءً في القتال أو غيرها وصوتوا عليه وجب على الجميع أن يأخذوا به وأن لا يجعلوا من ذلك ذريعة للتنازع بل يجب عليهم أن يعتصموا بحبل الله جميعاً. غير أنه يجوز في موضوع الشورى أنه إذا قام بها البعض سقطت عن البعض الآخر إذا كانوا في حكم الموافقين عليها، أي أنه يجوز النيابة في ذلك. والذي يستفاد من القصة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجه الخطاب العام للذين خرجوا ليعترضوا طريق القافلة يستشيرهم جميعاً, وأن الذين أشاروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم زعماء المهاجرين والأنصار, وأن أغلبية القوم الذين خرجوا للقتال قد سكتوا, وأن البعض لربما كان كارهاً للقتال. وكتب السيرة النبوية لم تنقل لنا غير أقوال رؤوس المهاجرين والأنصار ونفر من المجادلين ذكرهم القرآن وقد دخلوا المعركة مع رسول الله وانضموا إليه وقاتلوا معه فرضي الله عنهم أجمعين. وإن كان ليس بالضرورة أن يتكلم الثلاثمائة والثلاثة عشر مقاتلاً وهم الذين كانوا برفقته صلى الله عليه وآله وسلم؛ إلا أنه وبلا شك أن هناك من كان يكره القتال ولكنه آثر حب الله ورسوله فكانت يده مع يد الجماعة يقاتل راضياً مختاراً بمعنوية مرتفعة، وقد دل على ما أشرنا إليه قول الحق (وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون)، ودخل النفر القليل فيما دخل فيه الأغلبية، قال تعالى: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (٢)


(١) - الآية ٦٩ من سورة الأنفال.
(٢) - الآيات ٦ - ٨ من سورة الأنفال.

<<  <   >  >>