للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المسألة الثالثة: الحكم بغير ما أنزل الله:

لم يتبع رشيد رضا في هذه المسألة أسلوب التعميم كما فعل في مسألة "التجنس" بل إنه هنا فصل تفصيلاً. وقبل أن أبين مذهب رشيد رضا في هذه المسألة، أود أن أشير إلى ملاحظة تتعلق بمسألتنا، وبغيرها من مسائل هذا الباب، وهي مسألة الأسماء كالكفر والظلم والفسق وتحديد معانيها ومدلولاتها. يرى رشيد رضا أن هذه الأسماء الثلاثة تتوارد على حقيقة واحدة في كتاب الله كما أنها ترد بمعاني مختلفة. بينما اصطلح علماء الأصول والفروع على التعبير بلفظ الكفر عن الخروج من الملة وما ينافي دين الله الحق، دون لفظي الظلم والفسق. وإن كان القرآن يطلق لفظ الكفر على ما ليس بكفر في اصطلاحهم كما أنه يطلق لفظي الظلم والفسق على ما هو كفر في عرفهم ١. كما أنه يشير إلى أن لفظ الفسق هو أعم هذه الألفاظ، فكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس ٢.

وفيما يتعلق بمسألتنا يتحدث رشيد رضا عن الآيات التي هي الأصل فيها، وهي قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ٣. فيقول إن هذا الكلمات الثلاث "وردت بمعانيها في أصل اللغة موافقة لاصطلاح العلماء. ففي الآية الأولى كان الكلام في التشريع وإنزال الكتاب مشتملاً على الهدى والنور والتزام الأنبياء وحكماء العلماء العمل والحكم به والوصية بحفظه. وختم الكلام ببيان أن كل معرض عن الحكم به لعدم الإذعان له، رغبة عن هدايته ونوره، مؤثراً لغيره عليه، فهو الكافر به، وهذا واضح لا يدخل فيه من لم يتفق له الحكم به أو من ترك الحكم به عن جهالة ثم تاب


١ انظر: تفسير المنار (٦/ ٤٠٣)
٢ نفس المصدر (٦/ ٤٠٥) ولقد فصل شيخ الإسلام هذا المعنى جداً. انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص:٥٥ وص: ٥٨) وما بعدها.
٣ سورة المائدة، الآيات (٤٤ و٤٥ و٤٧)

<<  <   >  >>