للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقد حدد الطبري سنة "١٥هـ/ ٦٣٦م" كتاريخ لوضع الديوان على يد عمر، فقال: "وفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين، ودون الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة١، في حين حدد البلاذري سنة "٢٠هـ/ ٦٤١م"، فقد ذكر "لما أجمع عمر على تدوين الديوان، وذلك في المحرم سنة عشرين"٢، ولكن جميع الروايات تتفق حول نقطة جوهرية، وهي أن كثرة تدفق الأموال على المدينة المنورة من فتوح الأمصار، كانت السبب الذي دعا عمر إلى وضع الديوان.

المعروف أن السنوات الثلاث الأولى من خلافة عمر أي ببين سنة "١٤-١٦هـ/ ٦٣٥-٦٣٧م"، اتسمت بطابع الغزوات التقليدية، حيث كانت الغنائم توزع بالتساوي على القوى المقاتلة بعد رفع الخمس للخليفة، ولهذا لم تكن هناك حاجة إلى القيام بتأسيس نظام لتوزيع، وإدارة الفيء المكتسب، والأموال المغنومة٣.

وتنامت مع المدة منذ بدايات الغزو المنسق للفتوح والاستقرار، أي منذ عام "١٧هـ/ ٦٣٨م"، كميلة الأموال المخموسة المتدفقة على المدينة، تناميًا شديدًا، نتيجة فتوح أراضي الفرس والبيزنطيين، وكانت مقدارًا عظيمًا.

وتتكرر في المصادر رواية عن خمس البحرين الذي كان سببًا لتأسيس الديوان، يقول الماوردي: "واختلف الناس في سبب وضعه له، فقال قوم: سببه أن أبا هريرة قدم عليه بمال من البحرين، فقال له عمر: ماذا جئت به؟ فقال: خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر، فقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم مائة ألف خمس مرات، فقال عمر: أطيب هو؟ فقال: لا أدري، فصعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلًا، وإن شئتم عددنا لكم عدًا، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون ديوانًا لهم، فدون أنت لنا ديوانًا"٤، الواضح أن توزيع الأموال في المدينة كان يزداد صعوبة مع تنامي حجم هذه الأموال المتدفقة.

ذكر الجاحظ أنه لما وضع عمر الديوان قام إليه أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، فقالا: "يا أمير المؤمنين، أديوان كديوان بني الأصفر، إنك إن فعلت ذلك اتكل الناس على الديوان، وتركوا التجارات، والمعاش، فقال عمر: قد كثر الفيء والمسلمون"٥.


١ تاريخ الرسل والملوك: ج٣ ص٦١٣.
٢ فتوح البلدان: ص٤٣٦.
٣ إبراهيم: ص٢٠٧.
٤ الأحكام السلطانية: ص٢٤٩.
٥ العثمانية: ص٢١١.

<<  <   >  >>