للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

في ندائه، ولا من داع، ولا من متداع: "هلموا إلى الطريق هلموا" قال: فلا يجيبه أحد، ولا يرجع إلى الطريق أحد.

واعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس، وطلبت العلماء المراتب عند الملوك، تركوا المحجة البيضاء وجنحوا إلى التأويلات البعيدة لينفذوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك، ويفتي به، وقد رأينا منهم جماعة على هذا من قضاتهم، وفقهائهم ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام- فنادى بمملوك وقال: جئني بالحرمدان فقلت: ما شأن الحرمدان قال: أنت تنكر على ما يجري في بلدي، ومملكتي من المنكرات والظلم وأنا والله أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من أن ذلك كله منكر، ولكن والله يا سيدي ما منه منكر إلا بفتيا فقيه، وخط يده عندي بجواز ذلك فعليهم لعنة الله، ولقد أفتاني فقيه هو فلان -وعين لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف- بأنه لا يجب عليَّ صوم شهر رمضان هذا بعينه، بل الواجب على شهر في السنة، والاختيار لي فيه أي شهر شئت من شهور السنة، قال السلطان فلعنته في باطني، ولم أظهر له ذلك -وهو فلان فسماه لي- رحم الله جمعيهم.

"فليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال، وجعل له سلطانا فيها فإذا رأى أن الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنه لا يرضى عند الله زين له سوء عمله بتأويل غريب، يمهد له فيه، وجها يحسنه في نظره ويقول له: إن الصدر الأول قد دانوا الله بالرأي، وقاس العلماء في الأحكام واستنبطوا العلل للأشياء فطردوها، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموا به في المنصوص عليه، للعلة الجامعة بينهما، والعلة من استنباطه فإذا مهد له هذا السبيل جنح إلى نيل هواه، وشهوته بوجه شرعي في زعمه فلا يزال هكذا فعله في كل ماله أو لسلطانه فيه هو نفس ويرد الأحاديث النبوية، ويقول لو أن هذا الحديث يكون صحيحًا وإن كان صحيحًا يقول لو لم يكن له خبر آخر يعارضه، وهو ناسخ له لقال به الشافعي إن كان هذا الفقيه شافعيًّا -أو قال به أبو حنيفة- إن كان الرجل حنفيًّا وهكذا قول أتباع هؤلاء

<<  <   >  >>