للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

انتفع بِهِ وصار خيرًا لَهُ فلا يَكُون خيرًا للمعطي إِلَّا بالنّية، أمَّا بالنّسبة للمعطى فَهُوَ خيرٌ لَهُ عَلَى كل حَالٍ.

ولم يذكر الله فِي الآية هُنَا الخير للمعطي إِلَّا بهذه النّية أمَّا المعطى فلا شك أنَّه خير لَهُ عَلَى كل حَالٍ كما تفسره آياتٌ أُخْرَى، قَالَ المُفَسِّر رَحَمَهُ الله: [أي ثَوَابُهُ بِمَا يَعْمَلُونَ]، قول المُفَسِّر رَحَمَهُ الله: [أي ثوابه] هَذَا تفسير لَيْسَ بصحيح وَإنَّمَا هُوَ عَلَى طريق أهل التّأويل الَّذِين لا يؤمنون بالصّفات الخبرية الَّتِي أخبر بِهَا الله عن نفسهِ كالوجهِ واليدين والقدم وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثّواب خطأ وليس عَلَى طريق أهل السّنة والجماعة، بل هُوَ عَلَى طريق أهل البدع المؤوِّلينَ الَّذِين يُسمونَ أنفسهم مُؤَوِّلينَ وهم فِي الحقيقةِ محُرِّفُونَ.

والصّوابُ: أن المُرَادَ بِهِ وجهُ الله: وجهُه الَّذي هُوَ صفتُه، وأنَّ فِي الآية إشارةً إِلَى أن من فعل مثل هَذِهِ الأمورِ لله فإِنَّهُ سَوْفَ يرى الله عز وجل ويلقاهُ كما ثَبَتَ ذَلِك فِي الكتابِ والسّنةِ وإجماعِ السّلفِ أَنَّ المُؤْمِنينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ كَما يَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ (١)، قَالَ تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: ٢٢، ٢٣]، الأولى {نَاضِرَةٌ} بالضَّادِ بمعنى حَسَنَةٍ وَبَهِيَّةٍ، والثّانية بالظّاء لأنَّهَا من النَّظَرِ بالعَيْنِ.

قوْله تَعالَى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}: (أولاءِ) مبتدأٌ و (هم) ضميرُ فصل والمفلحونَ خبرُه، المُفْلِحُ هُوَ الَّذي فازَ بالمطلوب وَنَجا مِنْ المرهوب مَنْ أَفْلَحَ إِذَا فَازَ، والفلاحُ أصلُه البقاءُ، كما قَالَ الشّاعر (٢):

................. وَالمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَه


(١) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، رقم (٥٥٤)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، رقم (٦٣٣).
(٢) البيت للأضبط بن قريع، البيان والتبيين (٣/ ٢٢٣).

<<  <   >  >>