للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومع ذلك فإن تيار الوحي لن ينقطع، وستلفت بعض الظواهر العضوية نظر النبي، فيصاحب كل وحي عنده أعراض خاصة، وسوف يحدث أصحابه- فيما بعد- بأنه سمع قبيل حدوث الظاهرة، أي قبيل نزول الوحي، دوياً مؤذناً، شبيهاً أحياناً بدوي النحل عندما ينطلق من خليته، وأحياناً أخرى أكثر رنيناً حتى كأنه صلصلة جرس.

ومن ناحية أخرى استطاع أصحابه أن يلاحظوا كما نزل الوحي، شحوباً مفاجئاً، يتبعه احتقان في وجه النبي (١) وهو نفسه يدرك ذلك، ولذا يأمرهم بأن يلقوا على وجهه ستراً (٢) كما طرأت الظاهرة، ألا يعني هذا الاحتياط أن هذه الظاهرة كانت مستقلة عن إرادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، حق يصبح عاجزاً مؤقتاً عن أن يغطي وجهه بنفسه، وهو يعاني حالة متناهية الإيلام، كما روت السيرة.

لقد تعجل بعض النقاد حين ألموا بهذه الدلائل النفسية فعدّوها أعراضاً للتشنج، هذا الرأي يشتمل خطأ مزدوجاً حين يتخذ من هذه الأعراض الخارجية مقياساً يحكم به على الظاهرة القرآنية في مجموعها. ولكن من الضروري أن نأخذ في اعتبارنا قبل كل شيء الواقع النفسي المصاحب، الذي لا يمكن أن يفسره أي تعليل مرضي.

وأكثر من ذلك، فإن الأعراض العضوية نفسها ليست خاصة بحالة التشنج التي تحدث شللا ارتعاشياً (إن صح التعبير) عند الفرد المحروم مؤقتاً من قواه العقلية والجسمية.


(١) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك. وترتد وجهه، وفي رواية نكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما سري عنه رفع رأسه".
(٢) جاء في البخاري، كتاب (٢٦) (العمرة) - ١٠ - باب (يفعل في العمرة ما يفعل في الحج) ما يفيد أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يستر بثوب حين ينزل عليه الوحي، وأن عمر رضي الله عنه رفع طرف الثوب لينظر السائل إلى الرسول وهو في حاله تلك (ف).

<<  <   >  >>