للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان عددهم كبيراً بضمنهم فقهاء كثيرون (٣٠). وقد ازداد سخط الفقهاء والعامة بعد هذه الحادثة، وأخذوا يتحينون الفرص للقيام على الأمير الحكم. وأدرك الأمير هذه الحقيقة فقام باتخاذ إجراءات عديدة لحماية نفسه وتحصين مدينة قرطبة ضماناً أمام أية محاولة للثورة، فأتقن بناء سورها ورممه، كما حفر حولها خندقاً، وقوى أبواب قصره، ثم أكثر من شراء واستخدام المماليك والعبيد في الجيش، كما أسلفنا.

أما الدور الثاني الذي مرت به هذه الفتنة، فقد وقع بعد نحو أربعة عشر عاماً من مؤامرة الفقهاء الأولى وإعدامهم. وكان السبب المباشر لهذه الفتنة بسيطاً في حد ذاته، لكنه كان كالشرارة التي فجرت هيجان الخلاف بين أهل الربض الجنوبي ومحرضيهم من الفقهاء. فقد نشب خلاف بين حداد وأحد حراس الأمير بشأن إصلاح سيف الأخير وذلك بسبب تباطؤ الحداد في إنجاز العمل. ولم يلبث هذا الخلاف أن تطور إلى نزاع أدى إلى مقتل الحداد، وقد أثار هذا الحادث غضب أهل الربض من المولدين على زميلهم الحداد، فقتلوا الجندي، وتجمهروا يريدون التوجه إلى قصر الإمارة، وقتل الأمير الحكم باعتباره مسؤولاً عما حدث. فعبروا الجسر على الرغم من مقاومة حرس الأمير، وأحاطوا بالقصر الذي تحصن فيه الأمير وأتباعه. وتزعم بعض المصادر أن الحكم لم يفقد جرأته وشجاعته في ذلك الموقف، وصمم على القتال حتى الموت، فقد طلب من خادمه أن يأتيه بقارورة عطر، وعندما جاءه بها أفرغها على رأسه. فتساءل الخادم عن جدوى التطيب في مثل هذا الوقت، فأجابه الحكم: أنه إنما يتطيب حتى يعرف قاتله رأسه ويميزه عن رؤوس الآخرين. وهو يشير بطبيعة الحال، إلى أنه قد هيأ نفسه للموت أو للظفر بالعدو (٣١). وقد تفتق ذهنه عن خطة ذكية للقضاء على المتمردين، فدعا رئيس حرسه الخاص للدفاع عن القصر، وأرسل اثنين من قواده ليعبروا النهر من مخاضة ضحلة بعيداً عن الجسر الذي يسيطر عليه المتمردون فتمكنت هذه القوة التي يقودها القائدان، عبد الله بن عبد الله البلنسي وإسحاق بن المنذر القرشي، من العبور وتوجهت إلى منازل أهل الربض وأشعلت فيها النيران. وعندما أحس المتمردون بذلك، تفرقت صفوفهم وتوجه قسم كبير منهم لإنقاذ أهله وماله، فوقعوا بين جند الأمير من الإمام والخلف، وقتل منهم عدد كبير جداً.

وبعد انتهاء المقاومة ألقي القبض على نحو ثلاثمئة رجل من زعماء الفتنة، وصلبوا


(٣٠) ابن القوطية، ص ٥٠ - ٥١؛ ابن عذاري: ٢/ ٧١.
(٣١) أخبار مجموعة، ص ١٣١.

<<  <   >  >>