للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الفَصْلُ الثَّالِث

علاقة الدولة العربية الإسلامية مع الإمارات الإسبانية في الشمال

نشوء الإمارات الإسبانية:

لقد مر بنا في أثناء الحديث عن فتح العرب لإسبانيا، كيف أنهم وصلوا إلى المناطق الشمالية والشمالية الغربية، وأوغلوا في الجبال الصخرية المفضية إلى سواحل كنتبرية المطلة على المحيط الأطلسي. لكنهم لم يفرضوا سلطانهم على هذه المناطق بشكل فعال، خاصة الركن الشمالي الغربي المسمى بإقليم أشتوريش في جليقية وذلك لوعورة هذه المنطقة، وقساوة مناخها. وقد استغلت بعض فلول القوط المنهزمة هذه الظروف، فلجأت إلى هذه الجبال واختفت فيها تنتظر الفرصة المواتية للتجمع والاستعداد لمقاومة الفتح العربي للأندلس. أما المسلمون فقد استهونوا أمر هذه الأماكن، وقلة عدد القوط الملتجئين إليها، فتركوهم وشأنهم، وانصرفوا إلى شؤونهم الداخلية، مما هيأ لهذه الأعداد القليلة الجو لتكوّن لنفسها كياناً قوياً يستطيع مع الأيام أن يناهض المسلمين في الأندلس، وينقلب من الدفاع إلى الهجوم، كما سنرى فيما بعد.

وكان تجمع فلول الإسبان في جبهتين؛ الأولى في هضاب كانتبرية، أي في نافار وبسكونية في الشرق؛ والثانية في هضاب أشتوريش في الغرب. وقد تمركزت الجماعة الأولى تحت لواء زعيم يدعى الدوق بِطْرُة أو بتروس Pedro، الذي ينتمي إلى أحد الأصول الملكية، وكان من قادة الجيش في عهد الملكين القوطيين غيطشة ولذريق. ولكن الإمارة التي أنشاها هذا الزعيم كانت قليلة الخطر والأهمية، وذلك لوقوعها في الطرف الغربي من جبال ألبرت في سهول نافار وبسكونية، ولهذا فقد كانت عرضة لاقتحام القوات الإسلامية أثناء ذهابها إلى جنوب فرنسا وإيابها منها (١). أما إمارة جليقية


(١) انظر: محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس: ١/ ٢٠٨ - ٢١٠؛ خليل إبراهيم السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، ص ١٠١ فما بعدها.

<<  <   >  >>