للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

صفاً واحداً على نهر الوادي الكبير، ثم أمر الحكم بهدم الربض، وحرث أرضه وزراعتها، ونفي من تبقى من سكانه إلى خارج الأندلس. وقد ظل الربض، الذي ما يزال موقعه يعرف لحد الآن باسم Arrabal، مهجوراً من السكان لما يقرب من قرنين من الزمان بعد عهد الحكم الذي اقترن اسمه باسم هذا المكان، فسمي بالحكم الربضي (٣٢).

إن الأمر المهم في هذه الفتنة هو نتائجها سواء على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الخارجي. فبالنسبة إلى الأندلس أدى القضاء على هذه الهيجة التي أثارها الفقهاء إلى توطيد الحكم للإمارة الأموية، لأنها أزالت قوة ونفوذ الفقهاء، وحررت الأمراء من وصايتهم وتدخلهم. أما بالنسبة إلى نتائجها الخارجية، فقد كانت على نطاق أوسع وأشمل، ذلك أن أفواج الربضيين المنفيين إلى خارج الأندلس حطت في أماكن عديدة وأثرت على سير الأحداث فيها. فقد استقر فريق منهم في المغرب حيث سمح لهم إدريس الثاني أمير الأدارسة بالإقامة في مدينة فاس التي أسسها والده إدريس الأول، فأقاموا بالحي المعروف بحي الأندلسيين، ونقلوا معهم مظاهر الحضارة الأندلسية، وطبعوا المدينة بطابع أندلسي جميل من حيث الصناعة، والأبنية البيضاء ذات الحدائق الداخلية. وهكذا سيطروا على مدينة فاس حتى أنها أصبحت تدعى باسمهم مدينة الأندلسيين. أما الفريق الآخر من الربضيين، فقد واصلوا سيرهم في البحر، حتى وصلوا إلى مدينة الإسكندرية في مصر وسيطروا عليها مستغلين الفوضى والاضطراب الذي حل بالبلاد جراء الفتنة بين الأمين والمأمون. وعندما استقرت الأمور للأخير أرسل قائده عبد الله بن طاهر بن الحسين، فحاصر الأندلسيين الذين اضطروا إلى مصالحته، واتفقوا معه على مغادرة البلاد وعدم التوجه إلى أية بقعة تابعة للعباسيين، وكان ذلك في سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م. ثم اتجهوا إلى جزيرة كريت، وكانت تسمى أقريطش، وهي تابعة للدولة البيزنطية، فاستولوا عليها بقيادة زعيمهم أبي حفص عمر بن عيسى البلوطي (٣٣)، وأسسوا فيها دولة حكمت نحو مئة وخمسة وثلاثين عاماً، ونشروا فيها الإسلام، وأسسوا المدن، ومنها مدينة الخندق التي اتخذوها عاصمة لهم، وقد صارت كريت قاعدة بحرية إسلامية مهمة تهدد سواحل الإمبراطورية البيزنطية بما تقوم به من حملات على ممتلكاتها وتجارتها. ولكن أمر هذه


(٣٢) ابن عذاري: ٢/ ٧٧؛ أعمال الأعلام، ص ١٦؛ وانظر: العبادي، المرجع السابق، ص ١٣٠ - ١٣١؛ أحمد بدر، المرجع السابق، ص ١٢٢ - ٢٢٣.
(٣٣) يدعى بالبلوطي نسبة إلى فحص البلوط، وهي منطقة تقع إلى الغرب من قرطبة، وعن كريت تحت ظل الأندلسيين، انظر: د: اسمت غنيم، الإمبراطورية البيزنطية وكريت الإسلامية، جدة، ١٩٧٧؛ خليل إبراهيم السامرائي، إمارة كريت الأندلسية، مجلة الجامعة، الموصل، أيلول ١٩٧٨.

<<  <   >  >>