للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

١٠٤هـ/٧٢٢ م حينما أرسل الوالي عنبسة بن سُحيم حملة لسحق العصاة بقيادة قائد عربي اسمه علقمة اللخمي (٦).

لقد بالغت المصادر المسيحية في تصوير هذه الحادثة وشوهت تفاصيلها، فجعلتها شيئاً أشبه بالفتح المبين الذي تم بإرادة وتدبير القوة الإلهية (٧). وقد زاد مؤرخو الإسبان هذا النصر تقديراً وإجلالاً فجعلوه بداية لصراعهم من أجل إخراج المسلمين من الأندلس. ولكن على الرغم من هذا، فإن حولية لاتينية معاصرة، هي حولية عام ٧٥٤ م، لا تذكر شيئاً عن هذه المعركة. وهذا يعكس التأثير الحقيقي الذي تركته هذه الحادثة في الأندلس، حيث لا بد أنها عُدت مناوشة صغيرة، أو حادثة ثانوية بين مجموعتين من الأفراد. وهذه الحادثة وحدها لم تكن تعني شيئاً لو لم يعقبها من الأمور التي زادت في قيمتها وأهميتها، وبشكل خاص اختلاف المسلمين وانقسامهم على أنفسهم في الأندلس، مما مهّد السبيل لبلاي وأنصاره بالقوة والانتشار إلى المناطق التي كانت بيد العرب والمسلمين.

وهناك خلاف بين المؤرخين القدامى والمحدثين بشأن التاريخ الصحيح لهذه المعركة، التي أصبحت تسمى بمعركة كوفادونجا، فمنهم من يجعلها في عهد عنبسة بن سحيم، ومنهم من يجعلها في عهد عقبة بن الحجاج السلولي، والأرجح أنها حدثت في عهد الأول، كما سبق وذكرنا ذلك أثناء الحديث عن النشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا (٨). وقد هاجم عقبة منطقة جليقية وحاول افتتاحها، لكنه لم يفلح في القضاء النهائي على بلاي وبعض أنصاره الذين اعتصموا بالصخرة الشهيرة Picos de Europa. وكان هؤلاء من القلة وصغر الشأن بحيث احتقرهم المسلمون وتركوهم وانصرفوا استخفافاً بهم (٩). وكان إغفال أمر هؤلاء المقاتلين من أعظم الأخطاء التي ارتكبها العرب في الأندلس. فقد قويت معنوية بلاي وجماعته بانسحاب المسلمين، فانضم إليه الكثير من الأنصار، الذين اختاروه ملكاً عليهم، فكان هذا إيذاناً بميلاد مملكة أشتوريش


(٦) انظر: المقري (برواية عيسى بن أحمد الرازي): ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١.
The Chronicle of Alfonso III, pp. ٦١٤-٦١٥.
(٧) Ibid., p. ٦١٤.
(٨) لمزيد من التفاصيل والآراء المختلفة بشأن معركة كوفادونجا وبلاي راجع: مؤنس، فجر الأندلس، ص ٣١٨ - ٣٤٢.
(٩) أخبار مجموعة، ص ٢٨؛ ابن عذاري: ٢/ ٢٩.

<<  <   >  >>