للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال أيضا- رحمه الله-: " وهذه الأمور الثلاثة (١) مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب - باب الصبر-؛ وذلك أن الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه وبين ما يبغضه ويكرهه، فهو يطلب الأول بمحبته وشهوته، ويدفع الثاني ببغضه ونفرته، وإذا حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له فرحا وسرورا، وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن، فهو محتاج عند المحبة والشهوة أن يصبر عن عدوانهما، وعند الغضب والنفرة أن يصبر على عدوانهما، وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه، وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع منها" (٢).

- أقسام الناس في الصبر والغضب:

قال - رحمه الله-: " الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث -هو الوسط- الذي يغضب لربه لا لنفسه، كما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: خادما له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله».

فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، فهذا القسم الرابع، شر الخلق؛ لا يصلح بهم دين ولا دنيا.

كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حقوقهم، وهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور" (٣).

-


(١) الصبر عند الغضب، والصبر عند المصيبة، وعدم البطر عند الفرح.
(٢) الاستقامة: ٢/ ٢٨٠.
(٣) السياسة الشرعية: ٨٢.

<<  <   >  >>