للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشذ بصره إلى شيء، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسياً، ما دام في صلاته " (١).

ونقل شيخ الإسلام عن مجاهد قوله أيضاً في معنى الآية: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: ٢]: "غض البصر وخفض الجناح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشذ بصره، أو أن يحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا" (٢).

ولأجل هذا يقبل العبد على الله بقلبه ووجهه، فيهاب أن ينصرف عن ربه وهو واقف بين يديه في صلاته، لأنه يعبد الله كأنه يراه أمامه بعين رأسه، فان لم يكن يراه بعينه في هذه الدنيا، لكنه على يقين تام أن الله يراه، فيحضر قلبه في هذا الموقف العظيم، ويزيد خشوع قلبه الذي يظهر أثره على جوارحه في عبادة الصلاة، وذلك لأن القلب قد امتلأ بمحبة الله والخوف منه وخشيته فهاب أن ينصرف بقلبه ووجهه عن ربه وقد التقى بمن يحبه ويجله ويقدره في هذا الموقف العظيم.

[المسألة الثانية: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أحب لقاءه كما سبق ويعد نفسه لذلك، ويترقى به الحال إلى أعلى من هذا إلى محبة القرب منه.]

واستشعر بقلبه عظمة القرب من الله، لأن من أعظم مواقف القرب من الله في الدنيا، موقف العبد في الصلاة وبالأخص في السجود (٣) قال تعالى:

{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: ١٩]، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه الله أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (٤).

وإذا وقر في قلب العبد أنه في صلاته شديد القرب من الله، وفي سجوده أقرب ما يكون من ربه، فحينئذ يحضر القلب ويخشع، وتخشع الجوارح وتخضع، وإن العبد المحب الصادق في حبه لربه يسارع ويسابق إلى الصلاة أشد المسارعة والمسابقة، لأنه يلتذذ بقربه من ربه، ويأنس


(١) تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (١/ ١٨٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨).
(٣) وسيأتي مزيد تفصيل لركن السجود.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٣٥٠) ح (٤٨٢).

<<  <   >  >>