للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

به فتقر عينه به في صلاته، فيجد لذة الصلاة وحلاوتها، ويجد جنة معجلة قبل جنة الآخرة، يسنتشق فيها عبير القرب من الله، ويستمتع بلذة المناجاة، فالصلاة سلوة قلب المؤمن، وملاذ آمن ذو ظلال وارفة يؤي إليه، ليتقي هجير الحياة الدنيا، ويتفيء تلك الظلال الوارفة، يمتّع نفسه في تلك الحدائق الغناء بين آية تتلى وذكر يردد، فيجد المؤمن قرة عينه وراحة نفسه بين يدي ربه قائماً راكعاً ساجداً، ويزداد القرب من الله والتلذذ به أكثر وأكثر في أعظم لحظة للقرب من الله في سجود العبد بين يدي ربه، إنه موقف القرب من الله الذي تعجز العبارات عن التعبير عنه.

[المسألة الثالثة: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله والخشية منه، وتيقن أنه يناجي ربه، أثمر ذلك حياؤه من الله أن ينصرف بوجهه وقلبه عنه في صلاته.]

وإذا حقق العبد محبة الله في قلبه، وازدادت خشيته لله وتيقن أنه في مناجاة مع الله أثمر له ذلك الحياء من أن ينصرف عن ربه بقلبه أو بوجهه، وشعر بقرب الله منه في صلاته، فشعر بمعيته الخاصة له في صلاته فزاد خشوعه وإقباله على ربه بقلبه ووجهه، وشعر بلذة المناجاة لربه، وعظمة الموقف بين يديه فتأدب بأدب المناجاة لربه، فيشعر بقلبه عند تكبيرة الإحرام وفي بقية صلاته بأنه يناجي ربه، وأن الله قد نصب وجهه الكريم -سبحانه وتعالى- لوجه المصلي، فلا ينبغي له أن يلتفت عن ربه بلقبه ووجهه، بل عليه أن يستحي من ربه أن ينصرف عنه وهو يناجيه.

وبوّب ابن خزيمة فقال رحمه الله: "باب الأمر بالخشوع في الصلاة، إذ المصلي يناجي ربه، والمناجي ربه يجب عليه أن يفرغ قلبه لمناجاة خالقه -عز وجل-، ولا يشغل قلبه التعلق بشيء من أمور الدنيا يشغله عن مناجاة خالقه" (١).

ومن الأحاديث في ذلك:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» الحديث (٢).


(١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٧٠).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٩٠) ح (٤٠٥)، ومسلم (١/ ٣٩٠) ح (٥٥١).

<<  <   >  >>