للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= =الغرض الذي له كلفه، كما أن أحدنا لو كان غرضه من زيد إذا دعاه إلى طعامه أن يحضره فيأكل طعامه، وعلم أنه لا يختار ذلك إلا عند اللطف في المسألة، فلو لم يفعله لنقض ذلك الغرض الذي دعاه إلى طعامه، ويحل بإخلائه بذلك محل أن يمنعه من نفس تناول الطعام، وكذلك لو لم يفعل تعالى اللطف الذي ذكرناه كان بمنزلة ألا يمكن العبد مما كلفه من قبح التكليف. انظر متشابه القرآن ص ٧١٩. وهذا يدل على أن المعتزلة قد أوجبوا على الله بسخافات عقولهم أن يفعل ما يقرب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية، وإذا لم يفعل ذلك لم يؤد ما عليه، وأما الأشاعرة فإنهم لم يوجبوا على الله اللطف، وذلك بناء على قولهم في الحسن والقبح، وأنهما شرعيان، وأن الإيجاب إنما يكون بالشرع لا بالعقل، ولم يأت في الشرع ما يدل على وجوب اللطف على الله، واحتجوا على المعتزلة بأنه لو كان اللطف واجباً للزم أن يكون في كل عصر نبي، وفي كل بلد معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولكان علماء الأطراف مجتهدين متقين؛ إذ لا شك أن الطاعة بذلك أقرب وأسهل. انظر المواقف ص ٣٢٨ - ٣٢٩، وحاشية الكلنبوي ٢/ ١٩٠. فلما لم يكن ذلك كذلك دل على أن اللطف ليس واجباً على الله. وأما أهل السنة فإنهم يثبتون اللطف من الله لمن شاء من خلقه، لكنهم لا يعتبرونه واجباً كما ترى المعتزلة، بل هو تفضل منه سبحانه وتعالى، وهو ما يسمى بالتوفيق إلى فعل الخير، واجتناب الشر. ومما يدل على أنه تفضل قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة النساء: ٨٣]. فهذا الفضل الذي فعله الله بالمؤمنين، والذي بسببه لم يتبعوا الشيطان؛ هو اللطف. وقال تعالى: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)} سورة الصافات: آية ٥٥، ٥٦، ٥٧، فهذه النعمة التي بسببها نجى المؤمن من النار هي اللطف، وأمثال هاتين الآيتين كثير، وهو - كما قلنا - ليس بواجب. انظر: مدارج السالكين جـ ١ ص ٩٤، ٤١٤، ٤١٦، والإبانة ص ١٨٣. يقول ابن تيمية: « … وأهل السنة متفقون على أن العباد لا يوجبون على الله شيئاً». اقتضاء الصراط المستقيم ص ٤٠٩.
وقد مثل ابن القيم - رحمه الله - التوفيق وعدمه أو اللطف وعدمه؛ بملك أرسل إلى أهل بلد من بلاده رسولاً وكتب معه إليهم كتاباً يعلمهم أن العدو مصبّحهم عن قريب، ومجتاحهم ومخرب البلد، ومهلك من فيها. وأرسل إليهم أموالاً ومراكب وزاداً وعدة وأدلة وقال: ارتحلوا مع هؤلاء الأدلة، وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجونه، ثم قال لجماعة من مماليكه: اذهبوا إلى فلان وفلان فخذوا بأيديهم ولا تذروهم يقعدون، وذروا من عداهم. فإنهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي، فذهب خواص مماليكه إلى من أمروا بحملهم، فلم يتركوهم يقرون، بل حملوهم وساقوهم إلى الملك فاجتاح العدو من بقي في المدينة وقتلهم، وأسر من أسر. فهل يعد الملك ظالماً لهؤلاء أم عادلاً فيهم؟ نعم. خص أولئك بإحسانه وعنايته وحرمها من عداهم؛ إذ لا يجب عليه التسوية بينهم في فضله وإكرامه؛ بل ذلك فضله يؤتيه من يشاء. مدارج السالكين ج ١ ص ٤١٥. فعلى ذلك: اللطف عند أهل السنة، إنما هو فضل من الله يؤتيه من شاء من عباده بسببه يتجه إلى الخير، ويبتعد وينجو من كل شر. والله أعلم. انظر: المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ١٩٧.

<<  <   >  >>