للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد كان تشدد عمر والصحابة معه للمحافظة على القرآن الكريم، بجانب المحافظة على السُّنَّة، فقد خَشِي أن يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم، وهو دستور الإسلام، فأراد أن يحفظ المسلمون القرآن جيدًا، ثم يعتنوا بالحديث الشريف الذي لم يكن قد دُوِّن كله في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- كالقرآن. فنهج لهم التثبت العلمي والإقلال من الرواية مخافة الوقوع في الخطأ، وقد عُرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجيد فسُمح لهم بالتحدث.

ويتجلى منهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في وصيته التي أوصى بها وفده إلى الكوفة فيما رُوي عن قرظة بن كعب أنه قال: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة، وشيَّعنا إلى موضع قرب المدينة يقال له: "صرار"، قال: أتدرون لِمَ مشيتُ معكم؟ قال: قلنا: لحقِّ صحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولحق الأنصار. قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنكم تَقْدُمون على قوم للقرآن في قلوبهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا شريككم١. وفي رواية: فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدِّثنا، فقال: نهانا عمر رضي الله عنه٢.

ورُوي عن أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- أنه اتبع منهج الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومنع الإكثار من الرواية، قال محمود بن لبيد: سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحل لأحد يروي حديثًا عن رسول الله لم أسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر؛ فإنه لم يمنعنا أن نحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا أكون أوعى لأصحابي عنه؛ إلا أني سمعته يقول: "من قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوأ


١ سنن ابن ماجه "١/ ٩"، وطبقات ابن سعد "٦/ ص٢"، والهزيز: الصوت. وقوله: وأنا شريككم أي: شريككم في الإقلال أي: أنصحكم بذلك وأعمل بنصيحتي، لا كما ذهب إليه السندي من أنه شريك في الأجر؛ بسبب أنه الدال الباحث لهم عن الخير.
٢ تذكرة الحفاظ "١/ ٧"، وجامع بيان العلم "٢/ ١٢٠"، وانظر: سنن الدارمي "١/ ٨٥"، وسنن البيهقي "١/ ١٢".

<<  <   >  >>