للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قوله: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} ١ فقد وجبت كلمته ـ تعالى ـ أن عذابه لأهل الكفر به بسبب كفرهم وعدم قبولهم هدى الله الذي جاءهم عن طريق الرسل، قال قتادة: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} بأعمالهم٢ وقال ابن كثير حول الآية: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق من الشقوة التي كنا نستحقها حيث عدلنا عن الحق إلى الباطل" اهـ٣.

وقال العلامة ابن القيم: "وكلمته ـ سبحانه ـ إنما حقت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم فحقت عليهم حجته، وكلمة عدله بعقوبته".

وحاصل هذا كله: أن الله ـ سبحانه ـ أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم لا مع مراد أنفسهم فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم فاستحقوا كرامته وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده.

وعلم ـ سبحانه ـ منهم أنهم لا يؤثرون مراده ألبتة، وإنما يؤثرون أهواءهم ومرادهم فأمرهم، ونهاهم فظهر بأمره ونهيه من القدر الذي عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم، ومرادهم على مرضاة ربهم ومراده، فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله فعاقبهم بظلمهم" اهـ٤.

فالآيات الأربع السابقة من السورة دلت دلالة واضحة على المرتبة الأولى من مراتب القدر وهي مرتبة العلم، فيجب على الإنسان أن يؤمن بأن الله تعالى علم الأشياء كلها قبل كونها، وهذه المرتبة إتفق عليها الصحابة ومن تبعهم من الأمة، وخالفهم مجوس الأمة، وكتابته ـ تعالى ـ السابقة تدل على علمه بها قبل كونها٥.

وقد كفر السلف من الصحابة ومن بعدهم من أنكر علم الله وتقدم قول ابن عمر


١- سورة هود آية: ١١٩.
٢- جامع البيان ٢٤/٣٤.
٣- تفسير ابن كثير ٦/١١٢.
٤- مدارج السالكين ١/٢١٩.
٥- شفاء العليل ص٢٩ بتصرف.

<<  <   >  >>