للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

زوايا نفسي، في نقطة صغيرة من هذا الفضاء الرحيب، ثم أعيش في وحدة مرعبة أنظر ما يملأ هذا الفضاء.

إني كلما انفردت بنفسي، فتجرأت على درسها والتغلغل في أعماقها، بدت لي أرحبَ وأعجب. فما هذا المخلوق الذي يحويه جسم صغير لا يشغل من الكون إلاّ فراغاً ضيقاً كالذي يشغله صندوق أو كرسي ... ويحوي هو «المكان» كله، ويشمل «الزمان»، وينتقل من الأزل إلى الأبد في أقل من لحظة، وينتظم «الوجود» كله بفكرة، وتكاد الحياة نفسها تضل في أغواره؟

من المستحيل أن نفهم هذا المخلوق الذي ندعوه «النفس»، لذلك نخاف الوحدة ونفرّ منها. إننا نخشى نفوسنا ولا نستطيع أن ننفرد بها، فنحب أن نشتغل عنها بصحبة صاحب أو حب حبيب أو عمل من الأعمال ... ونخشى الحياة، ونحب أن نقطعها بحديث تافه أو كتاب سخيف، أو غير ذلك مما نملأ به أيامنا الفارغة. وإذا نحن اضطررنا مرة إلى مواجهة الحياة ومقابلة الزمان خالياً من أُلهية نلهو بها -كما يكون في ساعة الانتظار- مللنا وتبرمنا بالحياة وأحسسنا بأن الفلك يدور على عواتقنا. أفليس هذا سراً عجيباً من أسرار الحياة: يكره المرء نفسه ويخشاها وهي أحب شيء إليه، ويفر منها ... ويضيق بحياته وهي أعز شيء عليه، ويسعى لتبديدها وإضاعتها؟!

* * *

عجزت عن احتمال هذه الوَحدة وثقل عليّ هذا الفراغ الذي أحسه في نفسي، فخالطت الناس واستكثرت من الصحابة. فوجدت في ذلك أنساً لنفسي واجتماعاً لشملي، فكنت أتحدث

<<  <   >  >>