للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لهذا, فليس من الغريب أن يكون للمرأة جزء كبير من نتاج الشاعر؛ فقد تسلطت على مقدمة القصيدة واستحوذت عليها في كل الأغراض تقريبا. فالشاعر يتوجع من رحيلها ومن هجرها, وغير ذلك مما صار تقليدا سلكه حتى الشعراء المتأخرون.

فالشاعر الحجازي لا يكفيه أن يعلم الناس أنه شجاع وأنه كريم ومرح، ولكنه يريد أن ينتزع الاعتراف بذلك من زوجته؛ لأنها هي المرجع والحَكَم في كل ذلك. ومهما استفاضت شجاعته، وطابت سمعته عند مجتمعه، فإن الكلمة الأخيرة في ذلك تبقى لزوجته التي يغار عليها أن تفضل عليه أحدا. والحجازي يفخر بأنه شجاع وبأن زوجته تعلم أنه شجاع في حالتي الكر والفر ويتجثّم المتاعب في سبيل أمانيه، وأنه كريم للضيوف، ويضحي بناقته في سبيل إكرام ندمائه، ويضحي بردائه ليعلن عن سروره.

ومن بواعث الشجاعة عند العرب في قتالهم أن يحموا نساءهم من السبي والعار، فلو هربوا عنهن لكان معنى ذلك أن يستبيحهن الأعداء؛ والشاعر والمرأة كلاهما ينفر من ذلك, وهي تحرضه ليستميت دفاعا عنها، مما يدل على خطرها ورفيع منزلتها عند مجتمعها. وإذا وصلت المرأة إلى درجة أن تحمي قومها، وتحول سير المعركة إلى صالحهم, فينتصرون بعد أن كادوا يهزمون، فقد ساوت الرجال ذوي المكانة السامية في المجتمع الحجازي. فإن صاحب اللواء في الحرب ذو رتبة علية، قد ارتقت إليها ببسالة وإعجاب عمرة بنت علقمة الحارثية, لما أنقذت لواء قريش في غزوة أحد, وحولت النصر إلى جانبهم بعد أن سقط لواؤهم، وفي ذلك يقول حسان:

فلولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب١

والنساء مشاركات حتى في الحروب؛ فهن يسرن مع الجيش يعالجن الجرحى ويحملن الماء، ويحرضن المقاتلين. وفي حروب الرسول نرى منهن أم عمارة بنت كعب, وأم حكيم بنت الحارث٢.


١ سيرة ابن هشام ٣/ ٢٦.
٢ زاد المعاد ٣/ ١٣١.

<<  <   >  >>