للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[ثانيا: الاختيار]

ونعني به أن يختار المنشئ -متكلما أو كاتبا- كلماته أو صيغه بحيث تكون صالحة للتعبير عن معانيه في مواقفها الاجتماعية المعينة، وبحيث يصح ربطه بعضها ببعض بطريق مخصوصة، أو على وفق قواعد الربط والتعليق المتعارف عليها في اللغة المدروسة. والاختيار بهذا المعنى يرتبط بالموقعية أشد ارتباطا وأوثقه، إذ ليس يقبل مجرد رص الكلمات أو الصيغ بعضها بجوار بعض بدون أن تقع كل واحدة منها في موقع يناسبها في التركيب، وذلك بالنظر إلى سوابقها ولواحقها، حتى يصير البناء كله وحدة متكاملة متماسكة الأطراف.

وباستثناء عبد القاهر الجرجاني ومن لف لفه، لسنا نعلم أن أحدًا من السالفين أو الخالفين قد اهتم بالاختيار بهذا المفهوم الاهتمام المناسب لحاله، أو وقف عنده وقفة تكشف عن أبعاده وتوضيح قيمته أو دوره بوصفه عنصرا من عناصر نظام الجملة. وعبد القاهر نفسه اكتفى في هذا المجال بإشارات سريعة متناثرة هنا وهناك، تحتاج إلى جهد للتعرف على مقاصده بوضوح، وإلى نظرة بصيرة بأسلوب الرجل في التفكير وطرائقه في التعبير. فمن ذلك مثلا قوله: وينبغي "أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا واستخبارا وتعجبا،

<<  <   >  >>